مـــدونـــة الأوهـــام الإســلامـــيــــة

{ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا }يعقوب 20:5

لباس الحشمة إعداد عائلة الثالوث القدّوس

Posted by الرب معنا في 30/05/2011


 

لباس الحشمة
إعداد عائلة الثالوث القدّوس

“أُريد… أنّ النساء يزيِّن ذواتهن بلباس الحشمة… كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله…” (1 تيم 2: 9 – 10). هذا ما أوصى به الرسول بولس تلميذه تيموثاوس في شأن معالجة موضوع لباس النساء في أفسس. هؤلاء كان لباسهن خارج حدود الحشمة وسبباً لإثارة البلبلة في صفوف المؤمنين. هذا استدعى تنبيهاً واضح…اً ليكون كل شيء في كنيسة المسيح “بلياقة وترتيب” (1 كور 14: 40). وما يُقال عن النساء يُقال عن الرجال أيضاً حيثما كان المظهر ناقص الحشمة.

نستنتج ممّا تقدّم أنّ موضوع اللباس لا يخصّ المؤمنين والمؤمنات فقط، يلبسون ما يحلو لهم، وفق أذواقهم، بل يخصّ الكنيسة أيضاً. طبعاً لنا أن نختار لبس ما نشاء، الكنيسة لا تحدّد لنا ما نلبس بالتفصيل، ليس عندنا في الكنيسة لباس شرعي، الأمر متروك لإحساس المؤمن وضميره وذوقه، لكنْ توجب علينا الكنيسة، ونقول “توجب” لأنّ الصيغة التي يورد الرسول بولس كلامه فيها هي صيغة الفرض. يقول “أُريدُ” ولا يقول “أتمنّى” أو “أقترح”. إذاً توجب علينا الكنيسة أن لتزم الحشمة معياراً للباس والمظهر بعامة. يتكلّم على “لباس الحشمة”. والحشمة، في “لسان العرب”، هي الحياء، وفي اللغة اليونانية، لفظة “إيذوس”، المقابلة للحشمة، تعني “الإحساس بالحياء والرزانة والوقار”.

هناك، إذاً، مسؤولية في اللباس تجاه الكنيسة ينبغي أن تُؤخذ في الاعتبار. أولاً الحشمة تعبير عن التزام المؤمن والمؤمنة تقوى الله. لا تكون تقيّاً إذا ما فرّطت بجانب الحشمة في لباسك ومظهرك. وثانياً إذ يُفترض أن تعكس الحشمة ما في النفس من تقوى الله يعطي المؤمنون والمؤمنات، بالتزامها، مثلاً صالحاً في الوقار والرزانة وإلاّ يجرحون الإحساس بالحياء لدى الآخرين، ويُحدثون بينهم تشويشاً ويكونون عثرة لهم. وثالثاً التفريط بالحشمة يُدخل في صفوف الجماعة روحاً غريباً يحرِّك أهواء غير نقيّة في النفوس. علينا أن ندرك أنّ التغاضي عن الحشمة يعني، حتماً، اقتبال الفجور. السلوك بدون حشمة هو سلوك بروح الزّنا. هذا قد نعيه وقد لا نعيه. كما تعكس المرآة وجه مَن يقف مقابلها يعكس بعض الناس روح الزّنا وهم لا يعلمون. يظنّون أنّ ما هو شائع بين الناس مقبول ومُشرَّع. هذه هي الموضة كما يدّعون. ما هو خطأ يبقى خطأ ولو انتشر بين الناس. إذا ما شاع الفساد بين الناس فهذا لا يعني أنّه بات مسموحاً لنا أن نتبع الناس في فسادهم بل أن ننتبه ونحرص حرصاً أشدّ على ألاّ نقع في ما هم واقعون فيه. هم يقرأون في كتابهم ونحن نقرأ في كتابنا. لهم أخلاقهم ولنا أخلاقنا. نظرتهم غير نظرتنا.

بالنسبة لنا، هناك غرضان نسعى إلى تحقيقهما من خلال ما نتّشح به من لباس. أولاً اللباس هو لتأمين الدفء المناسب للجسد وثانياً لتغطية الجسد. طبعاً هذا يمكن أن يترافق وبعض الزينة المختارة بذوق وخفر. المهم أن تكون الزينة هادئة لا صارخة، تبعث الهدوء وشيئاً من الفرح في النفس، في نفس المتزيِّن والرائي معاً. هذا لا يُحدَّد بقانون، لكن الإنسان السالك بمخافة الله، بصدق وأمانة، توحي له مخافة الله بما يليق وبما لا يليق، بما يناسب وبما لا يناسب. قلنا اللباس هو لتغطية الجسد لأنّ الجسد ليس للكشف. فقط الوجه هو للكشف. الناس يتواصلون بالوجوه واللسان. لا يتواصلون بالأجساد. التواصل بالأجساد، من خلال كشفه أو إبراز نتوءاته، ككشف الوسْط والصدر وإبراز شكل الأرداف والسيقان وما إلى ذلك، هذا يجعل الناس، بطريقة إيحائية، يدخلون في حوار من الفجور. وحده الوجه هو الموضع الذي يتجلّى فيه الإنسان. لذلك وحده حوار الوجوه هو المقبول. والوجوه ليست برسم الزينة بالماكياج ولا الشَعر إلاّ ما كان خفيفاً وهادئاً ولا يغيِّر الملامح الطبيعيّة الأساسيّة للرأس حتى لا نوجد مسيئين إلى الخالق التي خلقنا على الصورة التي نحن عليها. أما الجمال الذي ينبغي أن نعوّل عليه ونعمل على اقتنائه فهو جمال الفضيلة. الجمال الحقيقي هو الذي يأتي من داخل الإنسان وينعكس في وجهه. الإنسان الذي يقتني روح الرّبّ هذا يستنير وجهه وكلُّه ويصير بهيّ الطلعة. أما التركيز على الجمال الخارجي فهو تجميل، وهو في الحقيقة تشويه ومحاولة لإخفاء البشاعة التي في داخل النفس. مَن كان قلبه جميلاً هذا لا يحتاج ولا يخطر بباله أن يجمِّل نفسه. فقط مَن يحسّ، في قرارة نفسه، بأنّه بشع ويريد أن يوهم الآخرين بأنّه جميل يسعى إلى تجميل نفسه.

هذه هي نظرتنا إلى اللباس لأنّ الجسد عندنا هو هيكل للروح القدس وليس كتلة لحميّة ولا نحن أحرار في تصرّفنا بأجسادنا. الكلام الكتابي في شأن الجسد هو هذا: “كل الأشياء تحلّ لي لكن ليس كل الأشياء توافق… ولكنّ الجسد ليس للزّنا بل للربّ والربّ للجسد… ألستم تعلمون أنّ أجسادكم هي أعضاء المسيح… اهربوا من الزّنا… أم لستم تعلمون أنّ جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنّكم لستم لأنفسكم… فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” (1 كو 6: 12 – 20). والرسول بطرس يوصي: “أيّها الأحبّاء، أطلب إليكم كغرباء ونُزَلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسديّة التي تحارب النفس” (1 بط 2: 11). وعن إساءة استعمال الحرّيّة يقول الرسول بولس: “أيّها الإخوة… لا تصيِّروا الحرّيّة فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضاً” (غلا 5: 13).

ختاماً نورد نبذة من سيرة القدّيس بطرس الغلاطي المدعو “الصامت” الذي عاش في القرن الخامس للميلاد وتُعيِّد له الكنيسة المقدّسة يوم الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني. كتب خبره الأسقف ثيودوريتوس القورشي في كتابه “تاريخ أصفياء الله”. الحكاية هنا هي عن والدة ثيودوريتوس عندما كانت صبيّة في الثانية والعشرين من عمرها. هذه جاءت إلى القدّيس بطرس سائلة الشفاء من مرض في عينيها، وكانت تتحلّى بأقراط وعقود وحليّ أخرى من الذهب وثوب من الحرير المزركش وقد زيّنت وجهها بشتى المساحيق. فلمّا رآها القدّيس على هذه الحال بدأ أوّلاً بشفائها من حبّ الزينة فقال لها: “قولي لي يا ابنتي، لو أنّ مصوِّراً بارعاً جداً رسم صورة وفق الأصول الفنيّة وعرضها على مَن يرغبون في رؤيتها، ثمّ أتاه رجل ليس على دقّة في هذا الباب وصار يغيِّر على ذوقه، وبخفّة، في الرسم، مدّعياً أنّ فيه عيباً فيطوِّل الحاجبَين وأهداب العينَين ويزيد من البياض في الوجه ويُكثر من الحُمرة على الوجنتَين، أفلا تظنّين أنّ للفنان الأوّل الحقّ في أن يغضب لرؤية صنعة يديه مشوّهة بتلك الإضافات البطّالة وبيد مدّعية لا خبرة لها؟ أفلا تعتقدين أنّ صانع الأشياء كلّها وجابلها ومزيّنها من حقّه أن يغضب عندما تحسبين فعل حكمته الخارقة ناقصاً؟ وإلاّ لما استعملت هذه الألوان من أحمر وأبيض وأسود، لو لم تحسبي إضافتها تنقصك. وفي اعتبارك أنّها تنقص لجسدك تنسبين العجز للخالق، مع أنّه يتحتّم عليكِ أن تعرفي أنّ قدرته تُقاس بمشيئته… وهو المعطي الخير للجميع فلا يمنح شيئاً مضرّاً بأحد. لذا لا تشوّهي صورة الله ولا تحاولي أن تضيفي إليها ما لم يشأ هو بحكمته أن يمنحكِ إيّاه. وأنتِ باستعمالكِ هذا الجمال الباطل تنصبين الأشراك للناظرين، حتى للنساء العفيفات”. ويُقال إنّ قلب الصبيّة صحا لكلام رجل الله بعد ذلك، فلما برئت وعادت إلى بيتها غسلت ما كان عالقاً عليها من الدهونات وخلعت عنها كلّ زينة غريبة وصارت تعيش على نحو ما أشار عليها القدّيس.

فهلاّ لنا أذنان للسمع وقلب للفهم؟.

دير مار يوحنّا – دوما

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: