مـــدونـــة الأوهـــام الإســلامـــيــــة

{ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا }يعقوب 20:5

الرد على حراس الفقيدة : الثالوث والعقل (2) بقلم الدكتور ابراهيم القبطي

Posted by الرب معنا في 30/12/2010


الرد على حراس الفقيدة : الثالوث والعقل (2) بقلم الدكتور ابراهيم القبطي
الثالوث وأزمة الإسلام الداخلية :
قد يبدو لأول وهلة أن اعتراضات المسلمين على حقيقة الثالوث تنبع من عقلانية ومنطق ، ولكن بقليل من الفحص نرى أنها تنبع من عقيدة ألّفها نبيهم من كوكتيل من العقائد المسيحية واليهودية والذرادشتية والعربية المحلية في القرنين السادس والسابع ، ولا علاقة لها بالعقلانية ، بل بنقصان العقلانية ، فأصول اعتراضهم ترجع بالاساس إلى قول محمد في قرآنه :
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً } (1)
ولو تعمقنا أكثر في ماهية “الثلاثة” التي يتكلم عنها القرآن لوجدنا أزمة حقيقية في النص القرآني
فالقرآن المحمدي يصرح بعلاقة بين رب القرآن ومريم نتج عنها عيسى فيقول
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }(2)
هذه النفخة الرحمانية في فرج مريم حاول الكثير من المفسرين تأويلها بكثير من الخدع واساليب الحواة (3) فلم يفلحوا ، فالقرآن بوصفه نفخ الرحمن في فرج مريم أعلن ضمنيا وبقوة علاقة جنسية بين مريم ورب القرآن ، ولأن المفهوم خاطئ وشاذ قرر محمد تعديله في سور لاحقة (4) مثل سورة المائدة ، فحاول محمد في القرآن أن ينفي الثالوث المكون من عيسى ومريم والله بحوار خيالي بين عيسى القرآني وإله القرآن (5)
إله القرآن يقول لعيسى : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ
فيجيب عيسى : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ
إذن فالثالوث القرآني الذي يستنكره محمد ومن بعده المسلمون الأوائل هو ثالوث وهمي مكون من أب (الله) وأم (مريم) وولدهما (عيسى) ، ولم يتطرق القرآن ولا أي من احاديث محمد المنسوبة إليه إلى فكرة الثالوث المسيحي الحقيقية من آب وابن وروح قدس (6) ، على النقيض تطرق القرآن لمصطلحات لم يستطع أحد تفسيرها ، فذكر القرآن ألفاظ مثل روح الله (7) وروح القدس (8) دون أن يصرح معناهما على الإطلاق (9) مما جعل الكثير من التفسيرات تتطرق إلى أقوال الصحابة مثل ابن عباس وغيرهم عن روح القدس ، لأنهم لم يجدوا حديثا صحيحا مرفوعا لمحمد يوضح ماهية روح القدس أو روح الله … ، ثم كانت الطامة الكبرى على أدمغة المسلمين عندما ذكر القرآن لفظة (كلمة الله) ونسبها إلى عيسى القرآني :{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }(10) ، وكذا ذكرها صحيح الحديث المرفوع لمحمد عن يوم القيامة يذكر فيه لفظا عيسى كلمة الله ويخصها به (11)
ولكن مع هذا بقت الكلمة بلا مدلول إسلامي عقيدي واضح إلا لاحقا ، بتسلل مزيد الفكر والعقلانية


———————-
كلمة الله ومحنة القرآن العقلانية
بدأت مشكلة الثالوث تُظهِر منطقيتها وفلسفتها وتحديها أكثر للفكر الإسلامي بعد غزو المسلمين للكثير من البلدان والأمصار التي أغلب شعوبها مسيحية ، فبدأت مصلحات مثل روح الله ، وروح القدس ، وكلمة الله تمثل مشكلة للعقيدة الإسلامية ، وتتعارض مع ما يسمونه التوحيد الخالص
أول أعراض هذه الأزمة الإسلامية بدأت تظهر بوضوح في عهد الخليفة المأمون عام 218 هـ (833م) ، أي ما يسمونه المسلمون بمحنة “خلق القرآن” والتي ينقلها لنا ابن الجوزي في كتابه المنتظم في التاريخ (12) وتحكي قصة الخليفة المأمون واعتقاده بخلق القرآن كما يلي:
“كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر، منهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين، وزهير بن حرب أبو خيثمة، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن مسعود، وأحمد الدورقي؛ فأشخصوا إليه، فامتحنهم وسألهم جميعاً عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً أن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، وأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون، فخلى سبيلهم، وذلك بأمر المأمون.
ثم كتب المأمون بعد ذلك لإسحاق بن إبراهيم: أما بعد؛ فإن حق الله على خلفائه في أرضه، وأمنائه على عباده، الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحملهم رعاية خلقه وإمضاء حكمه وسننه، الائتمام بعدله في بريته أن يجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عليه – تبارك وتعالى – بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويردوا من أدبر عن أمره، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده وحسبه الله، وكفى، ومما تبينه أمير المؤمنين برويته، وطالعه بفكره، فتبين عظيم خطره، وجليل ما يرجع في الدين من ضرره ما ينال المسلمين من القول في القرآن، فقد تزين في عقول أقوام أنه ليس بمخلوق، فضاهوا قول النصارى في عيسى إنه ليس بمخلوق …..وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم، وسهلوا السبيل لعدو الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على أنفسهم، حتى وصفوا خلق الله وأفعاله بالصفة التي هي لله عز وجل وحده، وشبهوه به والاشتباه أولى بخلقه، … وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لا يقر بأن القرآن مخلوق فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك، فتقدم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما بالشهادات على الحقوق، ونصهم عن قولهم في القرآن؛ فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، ولم يقطعا حكماً بقوله؛ وإن ثبت عفافه في أمره. وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافاً يمنع المرتاب من إغفال دينه واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء الله.”. انتهي .
وبمثله جاء في تاريخ الطبري (13) باب خبر المحنة بالقرآن
حيث يقول المأمون في رسالته
” وتزين في عقولهم ألا يكون مخلوقاً، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه، وتفرد بجلالته؛ من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته، والتقدم عليها بأوليته التي لا يبلغ أولاها، ولا يدرك مداها؛ وكان كل شيء دونه خلقاً من خلقه، وحدثاً هو المحدث له؛ وإن كان القرآن ناطقاً به ودالاً عليه، وقاطعاً للإختلاف فيه، وضاهوا به قول النصارى في دعائهم في عيسى بن مريم: إنه ليس بمخلوق؛ إذ كان كلمة الله،
مما سبق يتضح أن الوعي الإسلامي بأول مظاهر الثالوث المسيحي الحقيقي بدأ في أوائل القرن الثالث الهجري ، عندما بدأ المسلمون في الربط بين كون القرآن كلمة الله وبأن عيسى كلمة الله ، ولأن الكلام من صفات الإلوهة ، تبع أنه أزلى أبدي وغير مخلوق ، لأن الإله -كمفهوم تشترك فيه إلى درجة كبيرة الأديان الابراهيمية- لا يمكن أن يخلق صفاته ، فتبع بالمنطق أن القرآن غير مخلوق ، ولكن في الجهة المقابلة ، من يدعي بأزلية كلام الله -أي القرآن (وعيسى) – فهو يشرك القرآن (وعيسى) مع الله في السرمدية ، وهذا اشراك في الالوهة ولأن المعتزلة في ذلك الزمان بدأوا يدخلون العقل وعلم الكلام في المنظومة الإسلامية ، تبع ذلك استنكارهم ورفضهم بأن كلمة الله غير مخلوقة ، فنفوا صفة الكلام وبقية الصفات وأعلنوا التوحيد التجريدي المطلق ، وكان منهم الخليفة المأمون
رأى الخليفة المأمون المشكلة معقدة ، لأن القرآن والسنة يصرحان بأن عيسى هو أيضا كلمة الله ، ولهذا كان رفضه لفكرة أن القرآن غير مخلوق أساسها خشيته من التشبه بالنصارى “ في دعائهم في عيسى بن مريم: إنه ليس بمخلوق؛ إذ كان كلمة الله” أ. هـ.
من هذه القصة التاريخية نفهم الأزمة التي أحدثها التفكير العقلاني في عقيدة المسلم ، والتي قسمت المسلمين إلى فريقين
فريق أول يقول بخلق القرآن – كلام إلههم بحسب عقيدتهم – وظنوا أنهم لو أقروا بأن القرآن (كلام الله عند المسلمين) غيرمخلوق فهم يضاهون به قول المسيحيين بأن المسيح كلمة الله أزلي معه … ويهذا يقعون في الشرك ويشركون القرآن (والمسيح) مع الله
وفريق آخر يستنكر أن يكون القرآن مخلوق ، لأنه كلام إلههم ، ولو كلام إلههم مخلوق ، يتبع بالتالي أن أوامر الإله “كن فيكون” مخلوقة ، فكيف يخلق المخلوق (كلام الله وأوامره بالخلق) مخلوقا آخر (بقية المخلوقات)؟
وهل الإله في حاجة إلى مخلوق (كلامه) ليخلق به كائنا آخر ؟
امتد هذا النزاع إلى تفسيرات القرآن فالتزم أهل السنة بالفريق الثاني على إجماعهم ، واعلنوا بعدم خلق القرآن أو كلام إلههم ، ومن قال بخلق القرآن فهو كافر (14) ،وكان من أبطال أهل السنة في الصراع على محنة خلق القرآن ضد المأمون هو أحمد بن حنبل صاحب المسند الذي قال :”من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله وفيه أسماء الله وقال إذا قال الرجل العلم مخلوق فهو كافر لأنه يزعم أنه لم يكن لله علم حتى خلقه وقال رحمه الله تعالى من قال أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر لأن القرآن من علم الله ” (15)
أما الشيعة فعلى النقيض من السنة التزموا بالجانب الآخر (الفريق الأول) فقالوا بخلق القرآن فيقولون :
” الله عز وجل ذكر في كتابه المجيد {ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(الأنعام/102) ….. والفرض أن القرآن كلام الله المعجز الذي أنزل بواسطة جبريل عليه السلام على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهو شيء من الأشياء غير الله فلابد أن يكون مخلوقا… ،فلو لم يكن القرآن مخلوقا لكان خالقا” (16)

مما سبق يتضح لنا أن أزمة الإسلام لم تكن في عقلانيته في مواجهة لا عقلانية الثالوث المسيحي، بل في جوهرها لا عقلانيته لهروب المسلمين الدائم من الفلسفة والفكر والمنطق ، وعند أول دخول للفكر الإسلامي في معترك العقلانية نتجت محنة ضخمة تصارع فيها المسلمون وكفروا بعضهم بعضا .
ولهذا لن نجد أي رد شافي عقلاني على الثالوث المسيحي من الائمة المتأخرين (من القرون 6-7 هجرية) الذين يستشهد بهم بعض المسلمين حاليا :
+ فالرازي (ت 606 هـ) يقول عن الثالوث ” والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتًا موصوفة بصفات ثلاثة ، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات ، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم” (17)
وهذا ما استشهد به أحد المسلمين في تفنيد الثالوث ، ولكنه دلس فلم يكمل كلام الرازي ، ووضع مكانه نقاط (…) فبماذا يكمل الرازي وماذا أخفى المسلم ؟
ما أخفاه المسلم المدلس وما أكمله الرازي هو قوله : “فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد ، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر ، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك ، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً ” .(18)
ولهذا فند الرازي- على قدر فهمه – ما يقول به المسلم المعاصر من نفي للثالوث ، وعندما نقل المسلم عن الرازي وصفه للثالوث بالركاكة ، اخفى ودلس لأن الرازي خصص وصف الركاكة بثالوث القرآن (الله ومريم وعيسى) المنسوب للنصارى فقال : ” قال الزجاج : ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون : إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ” وهذا بالفعل ثالوث ركيك لم تجتمع عليه ولم تؤمن به الكنائس المسيحية سواء الارثوذوكسية أو الكاثوليكية أو البروتستانتية .
فلو تساءلنا ما هي أسباب أزمة الرازي ومعاصروه في فهم الثالوث ؟
لأجبنا أن الرازي وقع بين شقي رحي هل الثالوث : ثلاث صفات أم ثلاث ذوات ؟ لأن الفكر الإسلامي ثنائي النزعة: إما ذات أو صفات
أما عن الأقانيم كصفات فالرازي لم يتحرج في تأييده ، لأنه يؤمن بتعددية الصفات والاسماء في الذات الإلهية ، وفي هذا لا يتفق معه المسلمون المعاصرون … ولهذا دلس المسلم وأخفى هذه الفقرة من تفسير الرازي…
وأما في الأقانيم كذوات فاستنكره الرازي ونحن نؤيده في استنكاره ، أما ما افتقده الرازي هو مصطلح ثالث في أن الأقانيم شخوص إلهية Personal Beings متحدة متمايزة .
لهذا نجد أن عقيدة الرازي الإسلامية المسطحة هي التي أدخلته في محنة فهم الثالوث ، كما أدخل الفكر العقلاني المسلمين في محنة خلق القرآن قبله بثلاث قرون … فنحن لم نحدد الأقانيم أنها صفات ، بل نقول بأن الأقانيم هي الموصوفة وليست الصفات ، ولم نحدد بأنها ثلاث ذوات منفصلة ، بل ثلاث شخوص اقنومية محققة في إله واحد ، وطبيعة إلهية واحدة معلنة في ثلاث شخوص إقنومية …
وبالمثل يقف كلا من القرطبي (ت 671هـ ) وابن تيمية (ت 728 هـ) موقف الرافضين من الثالوث دون تحديد الاسباب … فيصف أحدهم الكلام عن الثالوث بالتخبط (19) ، وهذا وصف العاجز لا الناقد ، والآخر بالغلو في الدين (20) ، وكلاهما لا يدري أنه قد وصف نفسه قبل أن يصف الثالوث ، وكلهم يستعملون نفس النص القرآني ، دون أن يتفكروا ولو لحظة أن القرآن لا يناقش ثالوث المسيحيين آب وابن وروح قدس ، بل ثالوث قرآني خاص من الله ومريم والمسيح . ولكنهم اسقطوا ما يعلموه عن الثالوث المسحي على ما صرح به القرآن قبلهم بستة قرون عن الثلوث الوهمي ، فكل ما تقوَّلوه ، لم يكن إلا محاولات متهافتة في استنطاق القرآن بما ليس فيه ، ولكن بما يظنونه فيه
وأيضا خلط ابن تيمية في كلامه بين الأقانيم الثلاثة والطبيعة الواحدة فظن بأن قول المسيحيين (إله حق من إله حق) في قانون إيمانهم هو تعدد آلهة ، بينما الحقيقة هو تعدد أقانيم في اللاهوت الواحد (21)… وقد سبق أن ناقشنا ان تعدد لفظة (إله) لا تعني تعدد آلهة بأي حال من الأحوال ، وإلا لزم اعتبار قول القرآن {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } (22) أنه قول بتعدد آلهة واحد للسماء وواحد للأرض ، كما أن استحالة تصور عقيدة الثالوث عند ابن تيمية لا ينفي أو يثبت صحتها ، وإلا كان استحالة تصور الرحمن طبقا للعقيدة الإسلامية انتفاءا لوجوده
—————-
المسلمون والمسلمات حائرون بين الذات والصفات
عندما يتطرق المسلمون المعاصرون لفكرة التثليت دائما ما ينزلقون إلى مساواة الأقانيم بالصفات ، ثم يعودون فيساوون الأقانيم بالذوات المنفصلة
أما بالنسبة لمساواة الأقانيم بالصفات ، فالرازي أيده (18) ، ولكن أحد المسلمين المعاصرين يرفضه فيقول
اقتباس:

 

” بالنسبة لمقولة النصارى أن الله موجود بذاته ناطق بعقله حي بروحه , إن كان بطرس (يعني القمص زكريا بطرس) يقصد بها أن الأقانيم عبارة عن صفات لله ، فهي مقولة ساقطة من وجوه عديدة أذكر بعضها فقط :
* أولاً : أن الصفة لا تكون إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت , والأقنوم الثاني والثالث عندكم إله يخلق ويرزق ويحيي ويميت . وكيف تكون الصفة إله حق من إله حق و من نفس الجوهر ؟
* ثانيًا : أن الصفة قائمة بالموصوف فلا تفارقه ولا يعقل أن يكون زيد في القاهرة وعلمه أو كرمه في الأسكندرية ، وعندكم في قانون الإيمان أن الإبن نزل إلى الأرض وتألم وصلب وقبر ثم قام وصعد ليجلس عن يمين الآب ، فهل هذا الكلام يليق بصفة لله أم بإله آخر مع الله ؟! كما أن الصفة ليست جوهرًا قائمًا بنفسه , وأنتم أثبتم ثلاثة جواهر , آب وإبن وروح قدس !
* ثالثًا : معلوم أن الله محيط بعلمه وقادر بقوته ورؤوف برحمته وسيد بهيمنته وسيطرته … إلخ , فلماذا تخص يا بطرس صفاته بثلاثة فقط ، أم أنه التحزب الأعمى لإثبات عقيدة لا يمكن إثباتها !
* رابعًا : أن لله تبارك وتعالى كلمات كثيرة لا نهاية لها , وفي الكتب الإلهية كالتوراة أنه خلق الأشياء بكلامه وأومره ( راجع رسالتنا ” قال إني عبد الله ” – فصل : في قولهم “كلمة الله” ) , ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة بل غايته أن يكون كلمة واحدة إذ هو مخلوق بكلمة من كلمات الله عز وجل ولهذا سمي كلمة الله . ولو كان المسيح يمثل نطق الله وكلمته الذاتية الداخلية , إذًا فالله قد فقد النطق حين نزلت كلمته على الأرض , وإذا كان الأمر كذلك فمن الذي قال : ” هذا هو ابني الحبيب والروح الذي سررت به” (متَّى 3/16-17) ؟ هل يعقل أن يكون المسيح هو الذي قال هذا وهو الذي قيل فيه هذا؟! وهل فقد الله نطقه عندما ماتت كلمته على الصليب ؟! وقبل ولادة هذه الكلمة هل كان الله يعجز عن النطق ؟!
* خامسًا : حياة الله صفة له وليست منبثقة منه , بل هى قائمة به لا تخرج عنه البتة , وهى صفة لازمة له لا تتعلق بغيره , وأنتم جعلتم روح القدس التي ادعيتم أنها حياته ناطقًا في الأنبياء وحياة الله صفة قائمة به لا تحل في غيره .

وقد ناقشنا هذا الكلام في المقال السابق ، فالأقانيم ليست صفات مما يتبع تساقط كل اعتقاداته وتحليلاته هباءا منثورا ، بل نقول أن الأقانيم هي الموصوفة بالصفات لأنها شخوص كيانية personal beings كما يقول الأنبا بيشوي في وصفه الدقيق (23)، وإن كانت شخوص غير منفصلة أو مفردة ، فالعقيدة المسيحية تفرق إصطلاحا في تعريف الشخص بين الفرد (كشخص إنساني person) والأقنوم (كشخص إلهي ὑπόστᾰσις ) ، فالفرد individual مستقل منفصل وشخصيته (personality) تعبر عن استقلاله الذاتي كفرد ، لهذا يقابل في فكر المعاصرين بمعنى ذات مستقلة ، أما الشخص الإلهي إصطلاحا (كأقنوم ὑπόστᾰσις) فهو متمايز لا منفصل ، تقوم فيه كل الطبيعة الإلهية الكاملة ، دونما إنفصال أو تركيب ، فتعدد الأقانيم ليست تعدد صفات وليس تعدد ذوات بل تعدد شخوص كيانية إلهية متميزة في الطبيعة الإلهية الواحدة .
——————
ولكن لابد من بعض التعليقات الجزئية على ما أتى به المسلم لتوضيح جهله باللاهوت المسيحي جهلا مطبقا ، وهذا الجهل هو معذور فيه ، لأنه جهل نابع من محمد وقرآنه ، فالمسلم يسبح في تيار لم يؤهله له دينه ولا ثقافته
يهرف المسلم فيقول : 

اقتباس:

 

أن الصفة قائمة بالموصوف فلا تفارقه ولا يعقل أن يكون زيد في القاهرة وعلمه أو كرمه في الأسكندرية”

والحقيقة أن هذا يتعارض مع عقيدته التي تقول بأن
(أ) النقطة الأولى: الرحمن كإله إسلامي ليس موجودا في كل مكان بل هو في السماء ، فأهل السنة ينكرون ما نسمية Omnipresence
كما يقول ابن العثيمين عندما سئل عن قول بعض الناس إذا سئل : ( أين الله ) ؟ قال : ( الله في كل مكان ) . أو ( موجود ) . فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها ؟
فأجاب : هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها ، فإذا سئل : أين الله ؟ فليقل : ( في السماء ) ، كما أجابت بذلك المرأة التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم ( أين الله ؟ ) قالت : في السماء . وأما من قال : ( موجود ) فقط . فهذا حَيْدة عن الجواب ومراوغة منه . وأما من قال : ( إن الله في كل مكان ) وأراد بذاته ، فهذا كفر ، لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص ، بل الأدلة السمعية ، والعقلية ، والفطرية من أن الله – تعالى – علي على كل شيء ، وأنه فوق السماوات مستو على عرشه.(24)

إذن طبقا لعقيدة السنة الذات الإلهية في السماء مستوية على العرش
(ب) النقطة الثانية: أما محمد فيقول في قرآنه على النقيض من هذا ، بل يصرح بوجود الله الإسلامي في كل مكان
{… وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (25)
{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }(26)
{… إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }(27)
فصريح النص يشير إلى وجود رب القرآن مع مؤمنيه في كل مكان … وليس فقط في السماء على العرش
(ج) لأن (أ) تناقض (ب) حاول أهل السنة للتغلب على هذه المعضلة بتأويل نصوص القرآن لتصبح معيه الرحمن ووجوده في كل مكان بعلمه فقط ، فهو معهم بعلمه لا بذاته كما يقول تفسير الجلالين ” (وهو معكم) بعلمــــه
النتيجة الحتمية لهذا أن إله القرآن موجود في كل مكان بعلمه ، وعلى العرش بذاته ، مما يتبع الفصل المكاني والزماني بين علمه وذاته ، والعلم من صفات الذات كما يقول المسلمين
فمن أين جاء المسلم بأن الصفات قائمة بالموصوف ولا تفارقه ؟
لو كانت الصفات مثل العلم لا تفارق الذات ، لتبع وجود رب القرآن في كل مكان ، وهذا ضد عقيدتهم وضد تنزيههم المزعوم ، ولو كانت الصفات مفارقة للذات كالعلم الإلهي الكائن في كل مكان بينما الذات مفارقة فوق العرش ، يسقط كلام المسلم صريعا …
هذا مجرد مثال لما يدعيه المسلم من ردود عقلانية لا ترقى حتى إلى مبادئ علم المنطق والفلسفة ، وتفتقر إلى أي دليل من القرآن أو السنة
——————
ثم يتبع المسلم بقوله :  

اقتباس:

 



أن لله تبارك وتعالى كلمات كثيرة لا نهاية لها , وفي الكتب الإلهية كالتوراة أنه خلق الأشياء بكلامه وأومره ( راجع رسالتنا ” قال إني عبد الله ” – فصل : في قولهم “كلمة الله” ) , ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة بل غايته أن يكون كلمة واحدة ، إذ هو مخلوق بكلمة من كلمات الله عز وجل ولهذا سمي كلمة الله

هنا سقط المسلم في خطأين
الأول أنه لم يميز بين الكلمة كصفة – كما يعتبرها المسلمون – وبين ظاهر الكلام كلفظ ، وعيسى لم يكن لفظة مكتوبة أو مسموعة ، لهذا فكلام القرآن محمول على أن عيسى هو كلة الله القرآن كصفة له ، ولا يوجد دليل من القرآن والسنة ناقض هذا ، وهو ما يقترب من الكلمة الإلهية التي نعنيها كمسيحيين وهي اللوجوس أو الكلمة الكامنة في الذات أو المنطق او العقل وليس الكلمة الملفوظ بها ، لهذا وصف عيسى بأنه كلمة الله تمثل أزمة شائكة له ، لأن كلمة الله لابد وأن تكون غير مخلوقة ، مما يتبع أن يكون المسيح غير مخلوق ، والغير مخلوق هو الخالق لا شك في ذلك .. مما يتبع ضمنيا ألوهية المسيح كأقنوم الكلمة اللوجوس ، لهذا تعمد المسلم ان يتحايل فسقط في الخطأ الثاني
أما الخطا الثاني فهو محاولة تصويره أن عيسى القرآني ككلمة الرحمن ، تعني عيسى المخلوق بكلمة الرحمن فيقول  

اقتباس:

 

إذ هو مخلوق بكلمة من كلمات الله عز وجل ولهذا سمي كلمة الله”
وهذا قمة الكذب والتضليل ، لأنه لو كان المقصود بمصطلح “كلمة الله” المنسوب لعيسى أنه إشاره إلى خلقه بالكلمة ، لتبع بهذا أننا جميعا من أول آدم كلمات إلهية ، لأننا مخلوقين بكلمة الله ، ولتبع أن محمد نفسه كلمة الله … وهذا ما لا نجد عليه دليل لا في القرآن او السنة ، ولهذا نكتفي بسؤاله “لماذا لم يعمم القرآن لفظة كلمة الله لكل المخلوقات ، فهي كلها مخلوقة بكلمة منه ؟”
وننتظر الإجابة … وسننتظر طويلا
——————
ومن أزمة المسلم في المساواة بين الأقانيم والصفات ينتقل إلى المساواة بين الأقنوم والذات ، فيقوم المسلم بشرح قانون ايماننا ثم ينقد شرحه لا ايماننا ، وهو بهذا يهدم بيتا من القش هو الذى بناه ، ثم يعلن نصره المزيف ، لأنه ينبغي أن يلتزم بالمصطلحات اللاهوتية التي وضعها المسيحيين ثم يفندها لا أن يخترع مصطلحات ثم يفندها … وحتى نوضع خواءه سوف نستعرض أمثلة
يقول المسلم عن قانون ايماننا
اقتباس:

وهذا قمة الكذب والتضليل ، لأنه لو كان المقصود بمصطلح “كلمة الله” المنسوب لعيسى أنه إشاره إلى خلقه بالكلمة ، لتبع بهذا أننا جميعا من أول آدم كلمات إلهية ، لأننا مخلوقين بكلمة الله ، ولتبع أن محمد نفسه كلمة الله … وهذا ما لا نجد عليه دليل لا في القرآن او السنة ، ولهذا نكتفي بسؤاله “لماذا لم يعمم القرآن لفظة كلمة الله لكل المخلوقات ، فهي كلها مخلوقة بكلمة منه ؟”
وننتظر الإجابة … وسننتظر طويلا
——————
ومن أزمة المسلم في المساواة بين الأقانيم والصفات ينتقل إلى المساواة بين الأقنوم والذات ، فيقوم المسلم بشرح قانون ايماننا ثم ينقد شرحه لا ايماننا ، وهو بهذا يهدم بيتا من القش هو الذى بناه ، ثم يعلن نصره المزيف ، لأنه ينبغي أن يلتزم بالمصطلحات اللاهوتية التي وضعها المسيحيين ثم يفندها لا أن يخترع مصطلحات ثم يفندها … وحتى نوضع خواءه سوف نستعرض أمثلة
يقول المسلم عن قانون ايماننا
اقتباس:

ذكرتم الإيمان بثلاث ذوات تمايزت بالأعمال والصفات
ويقول عن الأقانيم :”فهؤلاء أشخاص متعددون , والفرق بين تعدد الذات وتعدد الصفات واضح لا يحتاج إلى دليل , وأنتم قد أقررتم أن المسيح ذات وأن الروح القدس ذات والآب ذات , ثلاث ذوات متميزة بالأعمال والصفات , وذلك في معنى كلمة ” أقنوم ” , فكيف يقال عنهم بعد ذلك بأنهم وحدة واحدة ؟!

وهذا ما لم ندعيه … فلم نقل بأن الشخوص الإلهية (الأقانيم) ذوات منفصلة ، وإلا فليأت لنا لفظا قالته عقيدة الكنيسة بطوائفها الثلاث على أن الأقانيم ذوات أو جواهر منفصلة ، (28) بل نقول أن الإله جوهر واحد وثلاث أقانيم ، والاقانيم تتمايز في علاقتها ببعضها ولا تنفصل ، فهي ليست ذوات منفصلة ، ولكنها في المقابل تشترك في كل الاعمال والصفات الإلهية ، فالخلق فعل الآب بالابن (اللوجوس) في الروح القدس ، والتجسد هو فعل الابن بمشيئة الآب ونعمة الروح القدس … فلا يوجد فعل واحد منسوب للطبيعة الإلهية لا نجد فيه الأقانيم المتمايزة ، إلا فيما يختص بعلاقتها الإقنومية ، فالآب والد للابن وباثق للروح القدس ، والابن مولود من الآب وعامل بالروح ، والروح منبثق من الآب وناطق بالابن دون مفارقة أو تعطيل أو اعتماد ، بل بذل وعطاء سرمدي لا نهائي .
ثم يقول :  

اقتباس:

 

ثم قلتم : ( وبالرب الواحد يسوع ….. ) فصرحتم بالإيمان مع خالق السموات والأرض برب واحد مخلوق ، وهذا تصريح بالإيمان بإلهين أحدهما من الآخر وصفة له

وهذا قمة الكذب والبهتان ، لأننا لم نقل ، ولم تقل أحد الطوائف المسيحية بأن الابن مخلوق ، بل هو بكر الخليقة أي بداية وجودها ، لأن الآب عمل به العالمين أي كل الخليقة (29) ، وفيه خلق الكل ، ما في السماوت وما على الارض (30) ، ثم أننا لم نصرح بإلهين ، والابن لا نجعله صفة للآب ، بل هو وحيد الآب ، وعقل الآب ، والعقل كينونة شخصية وليس صفة .
ثم يقول  

اقتباس:

 

, ثم قلتم : ( وبالروح القدس , الرب المحيي , المنبثق من الآب قبل كل الدهور ) وهذا تصريح بإثبات ثلاثة آلهة , ثم يقولون مع ذلك : إنما نثبت جوهرًا واحدًا وإلهًا واحدًا , وهذا جمع بين النقيضين

ونحن لم نقع في تناقض بأن هناك ثلاث آلهة هم إله واحد، بل ثلاث شخوص أقنومية هم إله واحد ، كل منهم طبيعة إلهية كاملة ، ولهم طبيعة وجوهر لاهوتي واحد . فلا وجود لأي تناقض منطقي
ثم يقول مخترعا لنا عقيدتنا :  

اقتباس:

 

وهكذا نرى أن كلمة ” أقنوم ” في معناها تشير إلى أن النصارى يتعبدون إلى ثلاثة ذوات وأشخاص لهم طبائع مختلفة ووظائف محددة وكيانات مستقلة , فكيف يزعم النصارى بعد كل هذا أن الثلاثة واحد , وهل يمكن الجمع بين المشرق والمغرب ؟!

وهنا تظهر سقطة المسلم بوضوح ، فهو يستمر بإعلان أخطائه ويظن أن الاقنوم = الذات بقوله 

اقتباس:

 

إلى ثلاثة ذوات وأشخاص

، وهذا ما لم يقله أحد المسيحيين ، على النقيض ، فالأب بولا هنرى في تعريفه للأقنوم لم يقل بأن الاقنوم ذاتا مستقلة ، بل شخصا إلهيا متميزا ، وهذا نص ما قاله ” في اللاهوت المسيحيّ نقول إنَّ ” الله واحد في ثلاثة أقانيم “. فما معنى ” أقنوم “؟ إن كلمة ” أقـنوم ” تعني شخصًا. فنقول إنَّ الآب أقنوم والإبن أقنوم والروح القدس أقنوم” (31)
وهذا ما يؤيده العديد من اللاهوتين فيعرفون الاقنوم بانه مصطلح يشير إلى التميز الشخصي مع عدم الانفصال ، واهم ما يميز الذوات المختلفة هو الاستقلال والتفرد والانفصال ، وهذا ليس ما نعرف به الأقنوم ، فالاقنوم إذن ليس ذات منفصلة (32)
——————
الثالوث والتركيب بين الإسلام والمسيحية
يحاول بعض المسلمين في الكثير من الأحيان في معرض هجومهم على الثالوث ، أن يصوروه على أنه تركيب في الطبيعة الإلهية ، وقد فندنا قبلا فكرة الجمع والطرح في الطبيعة الإلهية (33) ، وبينّا أن لغة الرياضيات لها حدودها وأن استعمال الواحد الحسابي يفترض أن الإله أقل من 2، 3 ، 4 ، … إلى مالانهاية (33، 34) ، وأكدنا أن الرياضيات لغة تخضع لقوالب عقلية بشرية ، وبأن الطبيعة الإلهية تسبق الفكر الرياضي لا العكس (33) ولكنهم في أحيان أخرى يستعملون بعض الكتابات المسيحية لإثارة شبهات حول ما يظنونه اعتقادتنا في التركيب الإلهي
فيستشهد بعض المسلمين بقول كتاب مسيحيين بأن الوحدة الإلهية أو الوحدانية الإلهية وحدانية جامعة وليست تجريدية كالواحد الحسابي الإسلامي ، وقد فندنا سابقا فكرة الواحد الحسابي وانه صفة نقص لا نهائية (33) ، ولكن ماذا نعني حقا بفكرة الوحدانية الجامعة ؟
الوحدانية الجامعة هو تعبير لغوي بسيط يشير إلى التعددية الداخلية في الطبيعة الإلهية ، وهي ما يقابل تعدد الصفات والأسماء في الذات الإلهية طبقا للعقيدة الإسلامية . فالتعددية نفسها لا يجد فيها المسلم (السني تحديدا) أي غضاضة ، فهو يعدد الصفات والاسماء الإلهية ، بل ويتعبد للاسماء وكأنها ذوات إلهية تستحق العبادة
فالمسلمون يسمون أبناءهم بعبد الرحمن أو عبد الرحيم أو عبد السميع أو عبد المتجلي … فلو نظرنا إليها من الزواية العقلية وبطريقة تفكير المسلم في الثالوث المسيحي ، لاعتبرنا هذا شركا لأن المسلم يساوي بين الرحمن والله (عبد الرحمن = عبد الله) وبين السميع والله (عبد السميع = عبد الله) وبين الرحيم والله (عبد الرحيم = عبد الله) ويتعبد لهم جميعا ، ولكنه أيضا لا يظن بالتساوي بين الاسماء ، فلا يقول أن الرحمن يتساوى مع القادر مع السميع مع المتجلي مع البصير مع الله لا لغة ولا معنى ولا عقيدةً
هنا وطبقا لما يقوله المسلم
(أ) الاسماء لا تتساوى في معناها اللغوي ودلالتها فهي مختلفة
(ب) ولكنها معبودة وكأنها الذات فهي تساوي الذات
من (أ) و (ب) نستنتج شركية الاسماء مع الذات ، لأنها مختلفة عن بعضها ومعبودة في نفس الوقت
فكيف يهرب المسلم من هذه التعددية ؟
هل يمكنه أن يفترض أن الاسماء محدثة وليست أزلية ؟
لا … فهذا كفر لأن نص القرآن يصرح
{وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (35)
ولو هي أزلية هل هي نفسها الذات ؟ فما الحاجة إليها ؟
أم هي أزلية مصاحبة للذات ؟ وهذا شرك مع الذات
ام هي جزء من الذات ؟ وهذا تركيب في الذات يعد كفرا
وهكذا يعيش المسلم في تعددية لا يجد لها تفسيرا ولا يفكر فيها لأنه غير مسموح له التفكر في الله ، ولذا عندما يسقط المسلم أزمته العقلية على الثالوث ويتساءل عن الأقانيم
 

اقتباس:

 

إذا كانوا صفات فهل يمكن التبديل بينهم ؟!

وكأن الصفات او الاسماء الإلهية في الإسلام يمكن التبديل فيما بينها ، فنحن نجيبه بسؤال
لو أمكن تبديل الأسماء والصفات ببعضها في العقيدة الإسلامية ، فهو يعني تساويها في المعنى والدلالة ، فلماذا إذن تحتاجون إليها كلها ، هي صفات وأسماء زائدة ، فلتحذفوها من قرآنكم وتكتفوا باسم واحد فقط ؟
أما في المسيحية فقد ميزت بين الطبيعة الإلهية الواحدة وبين ثالوثية الأقانيم ، وقالت بأن التعددية ليست في الطبيعة أو الجوهر الإلهي فهي ليست شركا بل هي تعددية وتمايز في الأقانيم كما قال القديس اوغسطينوس “الآب ليس ابنًا , والإبن ليس أبًا , والروح القدس ليس أبًا ولا ابنًا” (36) ، وما يجعل الأقانيم طبيعة واحدة هو وحدانيتهم الجامعة ، وما هية هذه الوحدانية لا يمكننا وصفها كما لا يمكننا وصف الذات الإلهية ولكن يمكننا استنتاج وجودها (33) بينما المسلم لا يجرؤ على قولها للخروج من أزمته ، بل يظنها شركا .
هل هذه الوحدانية الجامعة نقول بأنها غير مركبة ، لأسباب كثيرة أهمها
أولا لأن التركيب من صفات عالم الكم والجزئيات والكواركات ، أي عالم المادة ، لا من صفات الروح التي تتميز بالكيفيات وليس بالكميات ، والطبيعة الإلهية هي طبيعة روحية (37) ، وهي أصل الوجود كله الروحي والمادي كما يقول الوحي الإلهي في المسيحية
وثانيا لأن التركيب يلزمه قالبية التفكيك ، بينما الأقانيم بطبيعتها اللاهوتية لا تنفصل ولا تستقل بذوات منفصلة ولا تتفكك ، ومالا يمكن تفكيكه أو تجزئته ، لا يكون مركبا.
لهذا عندما يتهم احد المسلمين أحد الكتاب المسيحيين بأنه يدعو إلى تركيب الطبيعة الإلهية (38) ، نقول له كذبت ، الكاتب المسيحي الذي استشهدت به يقول كما نقلت أنت عنه : (كل شيء حولنا مركب , حتى الذرة في ذاتها عالم مستقل والإنسان نفسه كائن مركب له جسد يأكل وينام وله نفس مكونة من فكر وإرادة وعاطفة وله روحح تتصل بخالقها . إن الواقع الذي حولنا يقودنا إلى وجود إله خالق صاحب وحدانية جامعة وليست بسيطة , كما أن كل خلائقه مركبة وليست بسيطة)
هو هنا لم يصرح بأي تركيب في الطبيعة الإلهية بل اتخذ التركيب في الكائنات المخلوقة (كمثال للتعددية) ، على أنها إشارة ضمنية إلى أن هناك تعددية في الطبيعة الإلهية ، ولكنها ضمنيا وبحسب العقيدة المسيحية تختلف كيفيا كما تختلف طبيعة اللاهوت الكائن بذاته عن طبيعة المخلوق العرضية .. فالتركيب في المخلوقات هو صورة مفارقة لأصل أعظم هو الوحدانية الجامعة في الطبيعة الإلهية ، وهو ما صرح به الرازي وجعله حكرا على تعدد الصفات ويعني بها الاسماء كما ذكرنا سابقا ” فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل” (17)
وايضا عندما يدعي المسلم أننا نركب الإله فيقول 

اقتباس:

 

وعلى اعتبار التقسيم المذكور يكون لكل أقنوم وظيفة خاصة به وصفة تلازمه لا يتصف بها غيره . ولا يكون لأيهم صفة الألوهية منفردًا , بل يكون كل منهم ناقصًا حتى ينضم إليه الأقنومان الآخران , والتركيب في ذات الله محال “.

نرده على أعقابه ونؤكد بأننا نرفض تركيب الإله ، فلم نقل أن الإله هو المجموع الحسابي للأقانيم ، لأن طبيعة الإله تسبق وجود لغة الرياضيات ، ولأن التقسيم والتفكيك من خصائص عالم المادة لا عالم الروح ، ولأننا لم نقل بوجود صفات أو خصائص أو اعمال مستقلة للأقانيم ، فقط تميز في علاقتهم الأقنومية ، لكنهم يشتركون في الصفات والاعمال والقدرات الإلهية ، فالخلاص تم بالابن من الآب في الروح القدس ، والحياة تقوم بالروح القدس من الآب في الابن ، والوجود مصدره الآب بقوة الروح في الابن ، وأخيرا لأن العلاقة بينهم ليست علاقة إحتياج واعتماد ، بل علاقة حرة مبنية على البذل الكامل ، فالآب يمنح ملئه للابن والروح ، والروح يمنح ملئه للابن والآب ، والابن يمنح ملئه للأب والروح ، فلا يحتاج أي منهم للآخر ، بل يعطي كل منهما ملء لاهوته للآخر … والعطاء والبذل لا يشير إلى اعتماد أو احتياج أو نقص ، بل قمة الكمال . الوحدانية الكاملة بين الآب والابن والروح القدس لا تسمح بأي مساحة ولو ضئيلة لأى احتياج أو اعتماد أو تركيب.
وبهذه المقابلة السريعة أوضحنا مدى عقلانية الفكر المسيحي في شرح الثالوث ، ومدى فقر الفكر الإسلامي في شرح عقيدته ، وتهافت اعتراضاته على الثالوث ، ولهذا يختبئ المسلمون وراء نقد عقائد الآخرين دونما تمحيص لعقائدهم … لأنه من الغريب ألا يُسمح للمسلم بالتفكر في الذات الإلهية (39)، ولكنه يسمح لنفسه بنقد الفكر اللاهوتي لعقائد الآخرين …
اما كان بالأولى أن يتفكر في إلهه المستوي على العرش بلا كيفية معلومة قبل أن يحاول تشريح عقيدة الثالوث بركاكة يظنها عقلانية
————————-
أخطاء إسلامية حول الثالوث
كلما قرأنا اعتراضات المسلمين على الثالوث وجدناها تتكرر بصيغ مختلفة ، فالاعتراضات الإسلامية محدودة لأن المسلم ينقل و زملائه نفس الأخطاء التي سقط فيها القرآن قبلا عن الثالوث ، ويظلّون يجترونها دونما وعي ، ومن الاخطاء المتكررة :
الخطأ الاول : عدم التمييز بين الخصائص الأساسية للشئ وصفاته العرضية في عالم المادة ، وبين الأقنوم والصفة والطبيعة في الجوهر الإلهي
فيقول :  

اقتباس:

 

ويبرر تثليث النصرانية أيضًا بالإنسان له ذات وعقل وروح , ونقول : الإنسان أيضًا له سمع وبصر , ورغبة وشهوة , وصفات كثيرة متعددة تشكل في النهاية شيئًا واحدًا هو الإنسان , فلماذا التثليث فحسب ؟!

ولكن الطبيعة الإنسانية لا تقوم إلا بالعقل والذات والحياة هي خصائصها الأساسية ، وبتلاشي أحدهم تزول الطبيعة الإنسانية ، والانسان مثلا لا يمكن أن يفقد العقل ، ولكن أن ينحرف عقله أويختل فيصير مجنونا ، ولكن العقل الإنساني لا يتلاشى من الوجود ، لكن السمع والبصر والشهوات من الاعراض التي يمكن أن تزول ويظل الإنسان إنسانا (وقد ناقشتُ هذا في المقال الأول)
ثم أن التشبيه لا يهدف إلى إعلان المساواة في عدد الأقانيم الإلهية مع الخصائص البشرية (اي تساوي الرقم 3)، ولكنه يحصر وجه الشبه في التعددية والتميز والتساوي في القيمة داخل الخصائص الأساسية للطبيعة البشرية الواحدة وما يقابلها مع الفارق من تعددية وتميز بين الأقانيم في الطبيعة الإلهية … ولا يشمل هذا التشبية شرح ماهية الاقنوم أو المساواة بين الإنسان والإله (33)
ويقول :  

اقتباس:

 

كما أننا يمكننا أن نقول : البابا شنودة هو رئيس تحرير مجلة الكرازة , وهو رئيس الأقباط في مصر , وهو المولود باسم نظير جيد , وكل هذه الأشياء صفات لشخص واحد وهى غير مجسمة أو منظورة أو مستقلة

وهذا بالفعل صحيح فالصفات تصف الأشخاص ، ولهذا فنحن لا نقول بأن صفات الإله هي أقانيمه بل هي وصف لأقانيمه ، بينما أقانيمه هي كينونات شخصية لا تنفصل إلى ذوات مستقلة وبهذا تختلف عن الشخوص البشرية
ويقول :
اقتباس:

 

أن وظيفة البابا في الكنيسة ليست شخصًا ضرب وصُلب وتألم وقبر , أو أن رئاسته لمجلة الكرازة لا تعد شخصية تحل على الأنبياء ويتعمد بها الناس !
وبالتالي نحن لا يمكننا أن نقول : أن البابا شنودة وبولس الرسول والبابا يوحنا بولس بطريارك الكاثوليك السابق كل ذلك شخص واحد !

وهذا ما نقوله ايضا ، فهناك تمايز بين الأشخاص البشرية (البابا شنودة والبابا يوحنا) وتساوي في الطبيعة (الإنسانية) ، ولكن الاختلاف في أن الأشخاص البشرية مفككة الطبيعة ومستقلة فكل جوهر محدود له شخصية مستقلة ، بينما الأقانيم الإلهية شخوص إلهية غير محدودة متحدة في كائن واحد لا تنفصل ولا تتجزء ولا تُطرح ولا تجُمع ولكن تتمايز ، فالجوهر الإلهي قائم في ثلاث كيانات شخصية متحدة .
الخطا الثاني الارتجال واسقاط مفاهيمه الخاطئة على عقائد الآخرين
يقول المسلم:
اقتباس:

 

والذي يقوله البابا والنصارى من خلفه خلط عجيب بين تعدد الذات وتعدد الصفات !
فالنار بصفاتها شيء واحد , والإنسان بصفاته شيء واحد , لكن ذلك لا يعني أن النار والإنسان شيء واحد !

وهو هنا يسقط خلطه وتعثره على الآخر ، فنحن نقول ايضا بأن الإله في أقانيمه إله واحد ، لم يساو أحد المسيحيين بين طبيعة الإله والإنسان مثلا ، ولهذا فخلطه بين طبيعة النار وطبيعة الإنسان لا مغزى له ، ولكننا نقول أن أي طبيعة واحدة لها خصائص أساسية تقوم بها ولا تقوم بدونها ، ونقول أن الأقانيم ليست صفات بل موصوفات ، وليست ذوات منفصلة لأنها ليست جواهر مستقلة أو منفصله
ويقول احدهم :  

اقتباس:

 

إن الناظر لعقيدة الثالوث عند النصارى يتساءل دائمًا : كيف يتفق أن يكون الإبن ابنًا لنفسه . وفي الوقت ذاته أبًا لنفسه , هذا عين المحال .”

وهذا أيضا ما لم نقله ، بل هو قمة التخبط والعشوائية في الطرح. فأين قلنا بأن الابن إبنا لنفسه ؟ أو في نفس الوقت أبا لنفسه ؟
وماذا يعني بكلمة “نفسه” ؟
هل هي الذات أم الجوهر أم الطبيعة أم الاقنوم …. الخ ؟
هذه هي مشكلة المسلم الكبرى، انه حتى لا يتقن الحديث عما يحاول أن يفنده ، فما فائدة اعتراضاته إذا كانت لا تنقل حقا عقيدة الآخر لتعترض عليها ؟
ولهذا مرة أخرى يفشل المسلم حتى في نقل عقيدتنا ليعترض عليها ، ثم نجده يختم اعتراضه بقول مبهم غير منطقي ولا عقلاني  

اقتباس:

 

هذا عين المحال

… وبالطبع المحال هو أنه ينقد ويعترض ما ليس موجودا إلا في مخيلته .
ويقوم المسلم أيضا بخلط عجيب بين الافخارستيا كإعلان معاش لسر التجسد ، وبين عقيدة الثالوث فيقول:  

اقتباس:

 

إن المسيحيين لم يكفهم كذلك أن يجعلوا الله ثلاثة , فجعلوه ملايين عدة من قطع الخبز , تقسم كل منها إلى أجزاء بعدد الحاضرين في كل كنيسة , ويصبح كل جزء كذلك مسيجًا كاملاً إي إلهًا وإنسانًا وثلاثة أقانيم . بل ويصبح كل مسيحي تناول هذا القربان إلهًا وأقنومًا آخر ! وتصور قُداسًا يحصل في وقت واحد في جميع بقاع العالم , فيتحول الله في وقت واحد إلى ملايين مضاعفة في أمكنة متعددة . إن التثليث لهو بإزاء ذلك شيء حقير جدًا , ومن الغريب أن تحتم الكنيسة على أتباعها أن يأكلوا الله مرة كل شهر على الأقل , إن لم يكن عشرات بل مئات المرات , فكم يكون بذلك عدد آلهتهم ؟ , بل أين مصير هذه الآلهة بعد هضمها في الأحشاء والأمعاء ؟!”

وهذا مرة اخرى فشل كبير حتى في استيعاب ما نقوله في عقيدتنا ، فما ينقله المسلم في أحيان كثيرة يتبعه بشرحه هو الشخصي دون حتى ان يحاول أن يفهم ما قرأه ونقله .
عندما نتكلم عن الثالوث ، نتكلم عن الإله في ذاته ، وعن علاقة داخلية داخل طبيعته المقدسة ، أما عندما نتكلم عن الافخارستيا فنحن نتكلم عن التجسد الإلهي كسِر معاش في الكنيسة منذ قيامة المسيح وحتى يومنا هذا ، لأننا نؤمن تماما بقدرة الإله على التجسد وإعلان ذاته في عالمنا ، هذا الإعلان اللاهوتي لا يحد الإله بالمكان ، طبقا للفكر المسيحي المكان والزمان لا يحكمان الإله ولايحدانه ، بل هو من يحكم الزمان والمكان ، لأن الإله الحقيقي يمكن أن يُستعلن في المكان والزمان وهو أيضا مفارق للمكان والزمان (40) ، وهذا الاستعلان في عالمنا المادي هو استعلان نوعي كيفي وليس كمي ، فالهنا الحقيقي يتخلل كل زمان ومكان ليهب للمادة الوجود ، وللحيوان والنبات الحياة فوق الوجود ، وللإنسان العقل والإدراك فوق الوجود والحياة (41) ، وهذا الإله عينه قادر على الحضور/الظهور divine manifestation والاعلان عن نفسه للإنسان في قلب مكان أو زمان معين دون أن يفارق وجوده الغير المحدود ، وفي هذا تتفق المسيحية واليهودية ، كما أكده الوحي اليهودي مرارا ، ففي قدس أقداس خيمة الاجتماع أو الهيكل السليماني أعلن الإله يهوه حضوره الذاتي שכינה shekhinah وسكناه في وسط شعبه (42) ، ولهذا أعلن المسيح نفسه شاكيناه שכינה أي الهيكل الحقيقي الأسمى والدائم المتحد بالطبيعة اللاهوتية ، فشبّه طبيعة بشريته وهيكل تجسده بهيكل سليمان قائلا لليهود : (انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة ايام اقيمه. فقال اليهود في ست واربعين سنة بني هذا الهيكل أفانت في ثلاثة ايام تقيمه. واما هو فكان يقول عن هيكل جسده.) (42) ، في كل هذه الظهورات والاعلانات الإلهية لم تفارق الذات الإلهية –طبقا للفكر المسيحي- وجودها الغير محدود الكائن في والمفارق لكل مكان وزمان . أما سر الافخارستيا هو يمثل حضور المسيح كإله متجسد وسط كنيسته ، لأن كنيسته بعد القيامة أصبحت جسده وهيكل حضوره (43) ، وما يقال على التجسد يماثل مع يقال مع الخبز والخمر في الافخارستيا ، لأن الافخارستيا هي سر التجسد معاش في الكنيسة ، فالمادة لا تحكم الإله ولا تقسمه كما يظن المسلم ولكن إلهنا ومسيحنا يستعملها ليعلن ذاته لكل فرد مسيحي ويدخل معه في علاقة حية ، ويصبح هو مصدر حياته الكامن في جسده وروحه، فلم يقل أي مسيحي بأن اللاهوت ينقسم بانقسام المادة ، بل أن أبسط الأمثلة على هذا هو حلول الروح الإنسانية في الجسد الإنساني ، فهل نستطيع أن نقسم الروح إلى أرواح مستقلة : روح اليد أو روح القدم أو روح المعدة ؟ وهل تنقسم الروح بتعدد الأعضاء في الجسد الواحد ؟
بالمثل (مع الفارق الكيفي) شركة الخبز والخمر هي شركة في خبز الحياة أو جسد المسيح كما أعلن المسيح نفسه قائلا :”انا هو خبز الحياة من يقبل الي فلا يجوع و من يؤمن بي فلا يعطش ابدا” ، ويكمل المسيح :”انا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء ان اكل احد من هذا الخبز يحيا الى الابد و الخبز الذي انا اعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم.” (44) ، وبسر الافخارستيا يصير كل مؤمن مشارك في هذا الخبز والخمر متحدا بالمسيح الإله المتجسد … وهذا هو غاية التجسد الأسمى ، ولهذا قول المسلم
 

اقتباس:

 

بل ويصبح كل مسيحي تناول هذا القربان إلهًا وأقنومًا آخر !”

هو قول مفبرك وينم عن كذب فاضح ، فاين سمع في عقيدة المسيحيين أنهم يدعون أن البشر اصبحوا أقانيم للإله ؟ أو أنهم صاروا آلهة مفردة مستقلة ؟
بل غاية المسيحي هو الاتحاد بالمسيح الإله المتجسد ليصبح حجرا حيا في هيكل الإله الحي أو عضوا عاملا في جسد الإله الحقيقي وهو يسوع المسيح (45)
ولهذا عندما يقول المسلم في تعليقه على حلول الروح القدس على التلاميذ (46):  

اقتباس:

 

تكون هذه الألسنة المنقسمة هى الآب والإبن والروح القدس , فهل حلت أقانيم الآب والإبن والروح القدس في التلاميذ سواء بسواء من حيث بشريتهم المحضة فصاروا ألهة وأقانيم أخرى ؟!”

نجيبه بأن الروح القدس بحلوله على التلاميذ ، ثم حلوله على كل مؤمن بالمسيح عبر التاريخ ، هو إستعلان أنهم صاروا جسد المسيح الحقيقي والمسيح رأس الجسد وهم أعضاؤه أفرادا ، وأنهم صاروا هيكل الإله الحقيقي ، ولكن لم تتحول طبيعتهم البشرية إلى لاهوت أو أقانيم ، بل تقدست طبيعتهم البشرية بحلول الروح القدس فيهم ككنيسة … والانقسام الظاهر للألسنة الشبيهة بالنار لا يعني إنقسام الطبيعة الإلهية ، بل يعني حضور الإله فيهم وفي وسطهم لكي يقدسهم كأفراد ، وهو حضور كيفي لأنه روحي ، وليس كمي لأنه اللاهوت ليس مادة تخضع للتقسيم ، بهذا الحضور الإلهي يمنح الروح القدس للكنيسة أفرادا البنوة للآب وعضوية جسد المسيح ، ويعلن مرحلة جديدة في تاريخ البشرية ، فبعد خلق الإله الوجود في عالم المادة والطاقة ، وبعد منح حياة النفس في عالم النبات والحيوان ، ثم حياة العقل في عالم الإنسان ، أعلن حضوره الشخصي في عالم الكنيسة ، وسوف أناقش لاحقا سبب مشكلة المسلم في فهم هذا الإعلان ،والتي ترجع إلى عقيدته التي حددت الرحمن بطبيعته في مكان وزمان . فلا يفهم الفرق بين الظهور الإلهي في الزمان والمكان ، وبين تحديده على العرش أو في السماء الدنيا .
الخطأ الثالث: عدم التمييز بين صعوبة رسم أو وصف الثالوث ، وسهولة استعلانه منطقيا وعقليا ومن خلال الكتاب المقدس
فيستشهد أحدهم بأقوال لمسيحيين يعلنون فيها صعوبة تصور أو تخيل الثالوث (47) ، ويتبع هذا بقوله:
اقتباس:

 

إن الأمر بالفعل يدعو للحيرة , ترى إذا كان الفلاسفة والعلماء قد عجزوا عن فهم هذا الثالوث فمن يا ترى يستطيع فهمه ؟ وما هو موقف البسطاء والعامة إذا ما حاولوا الفهم؟وإذا لم نستطع إدراك عقائدنا الدينية بعقولنا وأفهامنا فبماذا يا ترى يمكننا إدراكها ؟ هل يطلب منا دعاة التثليث أن نتخلى عن عقولنا ونسلم بالثالوث ؟!وإذا كنا جميعًا نحن وهم , لا ندرك هذا الثالوث , فكيف يمكن لأي منا أن يتبعه ويسير عليه … ؟
إن العقائد الربانية – من المفترض – أن تكون سهلة وواضحة , صافية ونقية ومفهومه في صدور معتنقيها , لأن اعتناق العقائد لا بد أن يكون عن فهم واقتناع , فالعقائد مسائل أساسية , وهى مداخل الأديان , فكيف لا تُفهم ؟ ,فهل يدعونا النصارى أن نؤمن بعقيدة غير مفهومة ؟!
فكيف إذًا تدعون الناس إلى عقيدة لا تفهمونها ؟”

وعلى الرغم أنني ناقشت هذه الجزئية في الجزء الأول بمزيد من التفصيل (33) ، ولكن أردت العودة إليها لوضعها تحت المجهر طبقا للعقيدة الإسلامية ، ولنرى هل تصمد إدعاءاته .
أولا نحن لا ندعو الناس لتحليل الطبيعة الإلهية ، بل في الدخول في علاقة حية مع الثالوث ، وكما لا يحتاج الإنسان أن يحلل الماء ويعرف مكوناته ليشربه ، فالدعوة المسيحية أساسها دعوة للإختبار ، دعوة لعلاقة حب تجمع بين الإنسان وخالقه ، وفي المقابل لا تمنع العقيدة المسيحية من محاولة فهم الطبيعة الإلهية لمن يريد .
ثانيا : يظن المسلم أن العقائد الربانية لابد أن تكون سهلة وواضحة ومفهومة ، ويستنكر كيف تكون العقائد صعبة الإدراك والاستيعاب الكامل ؟
دعونا إذن نسأله عدة أسئلة بسيطة :
+ من أسس عقيدة المسلم أن إلهه ليس كمثله شئ؟
فكيف يمكن أن يفهم المسلم هذا الإله ؟ وهل يمكن أن يتخيله؟ ولو فشل في فهمه وتخيله هل يمكن أن يحذف وجوده من عقيدته
لأنه إله صعب الإدراك وغير مفهوم ويكتفي بما هو واضح مثل محمد وقرآنه ؟
+ إله المسلم المسمى الرحمن في عقيدة المسلم يستوي على عرشه ،كيف يحدث هذا الإستواء؟ وهل يمكن رسم صورة واضحة لكيفية الاستواء، ولو امتنع الرسم او الوصف أو الفهم كيف يمكن أن يعتقد به المسلم طبقا لفكر المعترض؟
+ القرآن يتكلم عن وجه ربه ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (48) ، ما هو وجه ربه ؟
هل هو ذاته ؟ فلماذا لم يخصصه القرآن بلفظ “ذات ربك” ، وإذا كان وجه الرب ليس ذاته فهل هو ملحق بالذات أم مفارق له أم جزء منه ؟ ثم هل وجه رب المسلم باق بينما ذاته تفنى ؟ وما العلاقة بين الإثنين ؟ هل الذات تحتاج للوجه أم الوجه يحتاج للذات ؟
يمكننا أن نسأل مئات الأسئلة ، ولن نجد إلا إجابة : الله اعلم أو هذا كفر
فهل جهل المسلم بماهية النصوص في قرآنه تنفي عقيدته أو ايمانه بوجود رحمن مستوي على العرش.
لو طبقنا طريقة تفكيره على نصوص قرآنه لألقينا بالكثير من قرآنه في سلة قمامة طبقا لتفكير المعترض ، لأنها أشياء غير مفهومة أو مدركة ، مع أنها من صميم عقيدته ونصوص قرآنه
وهنا نعيده إلى الفكرة البسيطة التي أوضحنا بها أن الثالوث يمكن استنتاجه منطقيا كإله عاقل حي ، ومن كتابنا المقدس ، أما تصوره الكامل وتصويره الكامل فهو كمن يريد وضع السماء في رأسه وهذا جنون ، لإن الإله الذي يمكن استيعابه كاملا في العقل البشري هو مجرد صنم صنعه العقل بقوالبه ، أما المسيحية تدعونا إلى الاستمتاع بعلاقتنا مع الإله المثلث الأقانيم لا أن نحشر هذا الإله كاملا في عقولنا ، هذه الثنائية بين قابلية الاستنتاج العقلاني والاستمتاع وصعوبة التخيل والتصور هي ما تدعو له المسيحية وهي عقلانية إلى أعلى الدرجات ، لأنها تفتح أمامنا الأبدية بكاملها في محاولة معرفته أكثر وأكثر ، في رحلة لا نهائية ، اما إلهه يدعوه لنكاح الحور والغلمان وشرب الخمر ، ويبقى إلهه مجرد مفترج على حفلات الجنس الجماعي التي أعدها ، فهنيئا له بماخوره وجحيمه الذي صنعه له الرحمن.
وأخيرا حتى نستوفي هذه النقطة تماما نتطرق إلى النقطة الأخيرة في كلام المسلم ، وهي في معرض رده على فكرة أن صعوبة تصور الثالوث دليلا على مصدره الإلهي ، فيقول :
 

اقتباس:

 

إذًا على هذا المنهج وجب عليكم تصديق الفلاسفة والهراطقة وأصحاب الديانات الوثنية كالهندوسية والبوذية واعتقاد عقائدهم لأنها غير مفهومة أيضًا : ” أليس بتعقيدها دليل على صدقها ” ؟!”

أولا كما أكدنا مرارا وتكرارا أن صعوبة تصور الثالوث لا ينفي سهولة منطقيته وعقلانيته ، والصعوبة فقط في تصوره ، الصعوبة في الأساس ليست ناتجة من التعقيد بل على النقيض من البساطة المتناهية ، فالثالوث هو إعلان إله واحد في ثلاثة أقانيم ، كمن يعلن في بساطة وجود اللون الأصفر ، والإدراك يتوقف تماما على إمكانية الرؤية ، فلو كان الشخص أعمي لن تفلح كل محاولات أعظم العظماء وأشهر العلماء في جعله يستوعب أو يفهم اللون الأصفر ، ما لم تُفتح عيونه أولا ، ولهذا نحن لا نأخذ التعقيد دليلا على الصحة لأن عقيدة الثالوث ليست معقدة ، بل نستنتج من قوة الإعلان ومستواه العقلي أن فكرة الثالوث مصدرها ليس من الأرض .
ثانيا العقائد الأخرى كالهندوسية والبوذية وحتى الإسلام يدل تعقيدها في الحقيقة على بشريتها لا على إلوهيتها ، لأن العقل البشري يميل إلى اختراع ما يمكن قولبته عقليا ، ثم تعقيد العلاقات بينهم ، فتعدد الآلهة والشعائر الدينية ومستويات الآلهة والصراعات بينها في هذه الديانات البدائية يشير إلى محاولات بشرية تريد أن ترسم عالم السماء بقوانين الأرض بما فيها من مقاييس وأوزان ومستويات اجتماعية وألقاب، وما فعله الإسلام لاحقا عندما قام بتوحيد آلهة العرب في إله واحد هجين مركب من آلهة مختلفة وصفات ، فجمع رحمن اليمن (49) مع ملك و مالك مع هادي و ستّار (50) مع كريم (51) وصمودا (الصمد) (52) مع سين (إله القمر) السومرى (53) مع بتاح (فتاح) المصري (54) ، هو ما أعلن وبوضوح بشرية القرآن وبصمات محمد ، وقد نقل محمد في قرآنه اعتراض العرب الأذكياء عليه ، وعلى تركيباته في قولهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }(55) وهذا ما قاومته الكنيسة المسيحية باستماتة ، لقد أرادت أن تحتفظ بقوانين السماء على الأرض ، فوضعت قانونا للإيمان يستبعد وبشدة أي قانون بشري من عالم السماء … وهذا ما سيتم توضيحه لاحقا في مقال مستقل للرد على الفكرة المتهافتة بوجود جذور وثنية للثالوث المسيحي.
الخطأ الرابع : تحديد الطبيعة الإلهية مكانيا وزمانيا
وهذا نعذره فيه ، فمحمده هو من حدد مكان إلهه فوق العرش في قرآنه بقوله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (56) ، ومحمده هو من حدد الإله زمانيا ومكانيا بقوله « يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ » (57)
لهذا يقول المسلم وبمنتهى الغباء 

اقتباس:

 

وإن زعم النصارى أن الأقانيم ليست منفصلة فهو مردود عليهم , لأن كل أقنوم تميز واستقل بذاته بأعمال وصفات مختلفة في أماكن مختلفة وفي أزمنة مختلفة أيضًا , فالجمع بينهم متعذر .”

ويتجاهل أننا لم نقل في عقيدتنا بتحدد الإله في أقانيمه بزمان ومكان ، بل نقول أن الإله الحقيقي يمكنه الحضور في كل زمان ومكان ويبقى حاضرا أيضا خارج الزمان والمكان مؤثرا فيهما وغير متأثرا بهما … هذه صفة إلهية نعرفها ونؤمن بها ولا يمكننا تخيلها لأن عقلنا يخضع لقوالب الزمان والمكان (33)
ومن أحد الاعتراضات المسلية التي قالها أحد المسلمين في معرض هجومه على عقلانية الثالوث هو أنه استعمل مثال القديس اغسطينوس عن صعوبة تصور وتخيل الثالوث ليقارنها بالتجسد في طريقة توحي بمنطقيتها ولنرى ماذا قال:
اقتباس:

 

يحكي بولاد عن أغسطينوس قصة غريبة .. برغم سذاجتِها إلا أنها والله .. تحمِل بين ثناياها حقاً و عقلاً .. لمن هباه الله العقل … فيقول بولاد:
“ولعلّ بعضنا يذكر قصة القديس أوغسطينس، الفيلسوف الكبير الذي عاش في القرن الخامس الميلادي، وهو من أعظم شخصيّات تاريخ الكنيسة. كان يتمشّى في أحد الأيّام على شاطئ البحر ذهابًا وإيابًا، يتأمّل في الثالوث الأقدس، ويحاول أنْ يحلّ مشاكله، ليرى كيف يمكن أن يكون ثلاثة في واحد، وواحدًا في ثلاثة. وبينما هو كذلك، رأى طفلاً وقد حفر حفرة صغيرة على الشاطئ وراح يملأ هذه الحفرة من ماء البحر بواسطة صدفة صغيرة.
إبتسم له أوغسطينس وقال له: ماذا تفعل؟
أجاب : أريد أنْ أضع البحر في هذه الحفرة.
قال له أوغسطينس: هذا مستحيل، يا حبيبي، لأنّ الحفرة صغيرة جدًا.
فردّ عليه الطفل: كذلك أنت عندما تحاول أنْ تضع الثالوث الأقدس، وهو أعمق الأسرار فى عقلك المحدود. واختفى الطفل من أمام أوغسطينس.”
من يقرأ و يستمِع لهذه القِصة الساذِجة , سيُدْرِك في الحال سذاجتها و ضمور فِكْر قائِلِها , لأن في هذه القصة منطق فِطْري يُحارب به واضعيها أنفُسهُم
فالحفرة الصغيرة لا ولن تستوعِب هذا الماء , وكما قال أغسطينوس يستحيل ….” مستحيل، يا حبيبي، لأنّ الحفرة صغيرة جدًا ” , وكأنه يرد على نفسِه
ودعونا نُجرِّب بعض المنطق على نفْس مقياس هذه القِصة:
منطقياً فإنه يستحيل أيضاً أن يستوعِب الرحِم الأنثوي الذي اختلط بدماء فاسِدة و خلايا ميِّتة , وأغذية أرضية , يستحيل أن يحمِل إله الأكوان داخِلَه
منطقياً فإنه كما استحال أن يدخُل ماء البحر في الحُفرة , فيستحيل أن يكون الخارِج من مخرج البول إله الاكوان … و منطقياً يستحيل أن يخرُج من عزّ وجلّ من مكان يخرُج منه أردأ الفضلات , فلن يكون أبدا الخارِج من هذا المكان عزّ أو جلّ .. يستحيل أن يخرج من هذا المخرج إله الاكوان..
منطقياً يستحيل للجسد البشري (جسد الإنسان يسوع ) الضعيف الدودة المولود من المرأة , يستحيل أن يحمِل هذا الجسد خالِق الوجود و إله الاكوان و مليكه فيه … و كما قال الطفل ..لا يُمكِن أن تحمِل الحُفرة الصغيرة ماء البحر…!!!
منطقي أم لا يا سادة؟!!
منطقي أم لا يا صديقي المسيحي ؟!!!
منطقي أم لا يا هنري بولاد؟!!

فهل ما يقوله المسلم فعلا منطقي ، وهل قياسه صحيح ؟ على النقيض تماما ، فهو قياس فاشل وخادع بشكل كبير وإليكم الأسباب :
أولا: أن المسلم كما العادة افترض علاقة تساوي بدلا من علاقة التشبيه ، فالقديس اغسطينوس شبه صعوبة محاولة تخيل الثالوث أو تصوره عقليا بحسب قوالب العقل وحدوده ، بصعوبة تخيل وضع ماء البحر في حفرة صغيرة ، ولكن هذا لا يعني أن الثالوث هو مقدار كمي يقاس بالحجم مثل المحيط ، ولا يعني أيضا أن العقل إناء صغير له محتوى مادي محدود كما الحفرة ، بل هناك مفارقة واضحة ، فالعقل البشري والطبيعة الإلهية غير ماديين ولا يخضعون لمقاييس الحجم ، بل مقاييس الكيف ، والفارق الضخم بين العقل البشري والطبيعة الإلهية ليس فارق الحجم أو السعة Volume بل فارق الكيف Quality، فالطبيعة الإلهية تتفوق كيفيا بما لا يقاس عن العقل البشري الذي لا يمكنه استيعابها ، فهو فارق يشبه (ولا يساوي) بين محاولة الصورة الفوتوغرافية فهم الإنسان المصوَّر داخلها ، وكيف يفكر أو يشعر ، وهذا مستحيل ، لأن الصورة لا تملك عقلا ومستوى وجودها يختلف عن الوجود الإنساني كيفيا. فالتشبية الاغسطيني إذن يستعمل توازي بين مشبة من ثنائية روحية كيفية (عقل/طبيعة إلهية) يقابله مشبه به من ثنايئة مادية كمية (الحفرة /المحيط)
ولم يحاول المثال الاغسطيني أن يخلط الماديات بالروحيات في التشبيه ، فلم يقل باستحالة ملء العقل بماء البحر ، أو باستحالة ملء الحفرة باللاهوت ، لأنهما عالمان مختلفان
ثانيا : المسلم عندما حاول أن يقارن بين مثال الحفرة والمحيط ومنطقيتها ، حاول أن يمدها إلى فكرة التجسد ، وكيف للجسد البشري المحدود أن يحمل خالق الأكوان ، وهنا افترق المثل والتشبيه عما يدعيه ، لأن الناسوت البشري طبيعته مادية بشرية ، بينما اللاهوت طبيعته لاهوتية ، والعلاقة بينهما علاقة اتحاد بين طبيعتين مختلفتين ومن عالمين مختلفيتين ،عالم الروح وعالم المادة البشري ، فالتشبيه الاغسطيني لا يصلح ، ولا ينطبق ، لأننا نتكلم عن حلول واتحاد كيفي للاهوت في الناسوت ، ولا نتكلم عن أحجام Volumes ، فاللاهوت لا وزن او حجم له أو مساحة أو محيط أو كتلة ، حتى نستكر حلوله واتحاده الكيفي qualitative في الناسوت البشري ، لأن التجسد هو تلاقي بين عالمين ، السماء حيث عالم الكيف والروحانيات ، والأرض حيث عالم الكم والماديات ، والتلاقي بينهما لا يكون بقياس الحجوم والمساحات المادية ، بل بالكيفيات الروحية .
ثالثا: أن المسلم سقط في خطأ آخر هام جدا ، وهو أن الاستحالة في المثل الاغسيطيني استحالة تنبع من حدود قدرة البشر ، فلو العقل البشري أراد (فعل إرادة بشرية) لن يقدر لأنه محدود في أن يصف أو يتخيل ما هو أعلى منه في المستوى والوجود بما لا يقاس ، بينما التجسد في العقيدة المسيحية هو فعل إرادة إلهى ، و الإله لا شئ يستحيل عليه ، فالتجسد لم نقل يومنا أنه رغبتنا أو مشيئتنا في وضع اللاهوت في جسد إنساني ، فنحن بكل تأكيد لا ولن نستطيع ، ولكننا نؤمن بأن التجسد هو مشيئة إلهية في أن يعلن لنا نفسه في طبيعتنا، وهو يقدر عندما نعجز نحن كما قال المسيح نفسه (غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله) (58)
رابعا وأخيرا : أن المسلم لابد أن يسمح لنفسه بسؤال من نفس النوع مثل :
هل من المنطقي طبقا لما يقوله أن يمكن للعرش المخلوق أن يحمِل الرحمن خالِقه (لأن الرحمن الخالق طبقا للقرآن يستوي على العرش المخلوق)؟
وهل من المنطقي أن يتكلم الإله الإسلامي من شجرة مخلوقة ليحدث منها موسى ؟
وهل من المنطقي أن يتجلى الإله الإسلامي لجبل مخلوق ؟ (59)
لهذا كما نرى ، فعقيدة المسلم التي أفقدته الرغبة في معرفة الإله والتفكر فيه (39) جعلته يسقط لاعقلانية الإسلام على عقيدتنا ، على الرغم من محاولاته المستميتة في الهروب من مناقشة استواء الرحمن أو تجلي ربه للجبل ، أو تكلم ربه من الشجر (59) أو التطرق لمناقشة كون القرآن مخلوق أو لا .
لهذا عندما يقول أحد المسلمين  

اقتباس:

 

وهكذا نرى مدى التضارب الصارخ بين عقيدة الثالوث والعقل , وأن الأمر كله محمول على الإيمان اللاعقلي

نقول له كذبت ، لأن ايماننا المبصر هو الامتداد الطبيعي للعقل ، وليس نقيضه في الفكر المسيحي ، ولهذا ظهر عندنا علم اللاهوت ، والمحاولات التي تتقدم دائما في فهم الوحي ومعرفة الرب بنعمة الروح القدس ، أما الإيمان الأعمى هو ما جعل المسلمين عبر تاريخهم يكفّرون من اشتغل بالمنطق أو الفلسفة ويحكمون بذندقتهم ، ولم يحتملوا علوم الكلام وأقوال المعتزلة ، واكتفوا بالتخبط بين دهاليز شريعتهم ظانين أنها سوف تخلصهم . ويمكننا أن نختم بالقول أن كل الطوائف المسيحية الثلاث (الارثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية) تعترف بالثالوث وتتتعبد للإله الواحد المثلث الأقانيم ، وهذا هو إجماع الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية على أعمق وأبسط حقيقة ، الإله الواحد المثلث الأقانيم ، فلم تكن عقيدة الثالوث مصدرا للاختلاف أو الإنشقاق بين المسيحيين في العالم ، بينما على النقيض ، هرب المسلمون من مناقشة خلق القرآن أو عدم خلقه خوفا من الفتنة ، والتي لازالت تسري بين الفرق المسلمة في تخبط واضح ، وهربوا من تفسير الاستواء أو معاني مثل وجه الله ، أو علم الله الموجود في كل مكان بينما ذاته مستوية على العرش.
فبعضهم يؤيد خلق القرآن كالشيعة الامامية ، وآخرون يكفرون من يقول به كالسنة السلفية.
وبعضهم ينكر الصفات والاسماء ويعطلها ليحتفظ بتوحيد مجرد ،وآخرون يكفرون من ينكر الصفات والأسماء ، لأنه إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة.
وبعضهم يؤكد وجود الله في كل مكان ، وآخرون يكفرون من يقول بذلك
وكلهم يقف عاجزا عن توضيح استواء الرحمن على العرش لأن الكيفية مجهولة والسؤال عنها بدعة
ترى من هو الأكثر عقلانية ، من لا يكف عن التساؤل والبحث ومحاولة الفهم ، ولا يهرب من إعلانات الرب والإله الحقيقي ؟
أم من يغلق باب السؤال من أساسه لأنه بدعة وكفر وضلال؟
أخيرا ندعو المسلمين إلى التفكر بحيادية القلب والفكر ، وأن يخرجوا خارج شرنقة الإسلام ليروا صورة أعمق وعقلانية أوسع وأجمل … فدعوتنا هي دعوة حب تسلمناها من الآب في ابنه يسوع المسيح ونحيا فيها بروحه القدوس ، هي دعوة خلاص أبدي ، وعشرة أبدية مع الأب والابن والروح القدس إله واحد …
لن ينفعك محمدكم ، ولن ينفعكم اللف حول الكعبة ، ولن تفيدكم كثرة الأصوام ، ولن يفيدكم إنكار البنوة والابوة والروح في الطبيعة الإلهية ، انتم في حاجة إلى نعمة المسيح المجانية التي منحها لنا بصليبه وقيامته . أنتم في حاجة إلى الايمان بالابن لكي تعرفوا الإله الحقيقي
(الذي يؤمن بالابن له حياة ابدية و الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله) (60)
لو اعتقدتم أن ايمانكم بالمسيح نبيا كافيا ، هذا لن يخلصكم ، بل الايمان به إبنا للآب هو ما يخلصكم لكي تقبلوا عطية الروح القدس، أي ان خلاصكم لن يتم إلا بالايمان بالثالوث والمعمودية على اسم الثالوث (فاذهبوا و تلمذوا جميع الامم و عمدوهم باسم الاب و الابن و الروح القدس) (61)
نصلي من أجلكم لكي يستعلن لكم الخلاص الحقيقي المعطى لنا من الآب في المسيح ابنه الوحيد بواسطة شركة الروح القدس المتكلم في الأنبياء والقديسين… آمين
______________________
الهوامش والمراجع:
(1) النساء171. وقد حاول المسلمون في ترجمتهم التحايل فبدلا من ترجمة (و لا تقولوا ثلاثة)
Don’t say three ترجموها Do Not Say Trinity أي ولا تقولوا ثالوث
وهم بهذا استعملوا مصطلح مسيحي هو “ثالوث” Trinity لم يستعمله القرآن ولم يعنيه ، فالقرآن لم يصرح بـ “ثالوث” ، بل بـ “ثـلاثة ” three… والهدف من هذه الترجمة إيهام القارئ الغربي بأن القرآن يهاجم عقيدة الثالوث ،بينما الحقيقة أنه يهاجم فكرة تعدد آلهة مكون من الله ومريم وعيسى
(2) التحريم12
(3) يفسر الجلالين هذا النص : واذكر مريم (والتي أحصنت فرجها) حفظته من أن ينال (فنفخنا فيها من روحنا) أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى (وجعلناها وابنها آية للعالمين) الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير فحل
والتفسير هنا يحاول الهروب من صريح النص إلى تفسير وهمي ، فالنص القرآني لم يصرح بأي جبريل ، ولم يذكر جيب درعها ، فالهروب الإسلامي مزدوج ، هروب من أن النفخة هي نفخية رحمانية لا علاقة لها بجبريل ، وهروب من أن الفنخة جاءت في الفرج (العضو الجنسي لمريم) ولاعلاقة لها بجيب أو بدرع
(4) تعديلات محمد المستمرة في قرآنه وتعديلات صحابته هي التي أنتجت فكرة الناسخ والمنسوخ والتي عاد فبررها بأن رب القرآن هو الذي ينسخ وليس محمد (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة {106}
(5) {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }المائدة116
(6) فلو طبقنا قاعدة المسلمين التشريعية بأنه “لا تحريم إلا بنص” ، نجد أن عقيدة الثالوث الحقيقية التي لا تنفي وحدانية الإله لا يمكن تحريمها أو الحكم بكفرها إسلاميا
(9) لأن محمد نقل الكثير والكثير من أفكار اليهود والمسيحيين المعاصرين إلى قرآنه دونما تمحيص كاف فتسربت مصطلحات عجز المسلمون عن أيجاد تفسير لها ، أو أن البديل أن محمد احتفظ بمسيحيته ثم تم طمسها من بعدها بالتلاعب في السنة والقرآن
(10) آل عمران45
(11) مسلم كتاب الايمان ح503 – … اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ. فَيَقُولُ عِيسَى …
(12) المنتظم ج 3 ص307
(13) تاريخ الرسل والملوك للطبري (ج5 ص173-174)
(14) فالطبري فسر نص القرآن (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ) (الأنعام 73) بقوله :”معنى ذلك: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، [سورة فصلت: 11] . قالوا: فالحق، في هذا الموضع معنيّ به: كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله:”ويوم يقول كن فيكون قوله الحق”،”الحق” هو قوله وكلامه. (1) قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة. (2) قالوا: فإذْ كان ذلك كذلك، وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غيرَ مخلوق.”
(15) معارج القبول ج1 ص 272
الله عز وجل ذكر في كتابه المجيد {ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(الأنعام/102).
وقال عز من قائل { قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(الرعد/16). وقال تعالى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(الزمر/62).
وقال تعالى {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ}(غافر/62). وقال تعالى { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}(الأنبياء/2).
والفرض أن القرآن كلام الله المعجز الذي أنزل بواسطة جبريل عليه السلام على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهو شيء من الأشياء غير الله فلابد أن يكون مخلوقا كما بينت الآيات الشريفة وكذا نص الله على أن القرآن محدث ، والقضية واضحة من الناحية العقلية أيضا فلا موجود إلا وهو خالق أو مخلوق ، فلو لم يكن القرآن مخلوقا لكان خالقا وهو باطل .
(17) يقول الرازي ( التفسير الكبير للرازي- سورة النساء 171) ( ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجواهر ثلاثة بالأقانيم. واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدًا ، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتًا موصوفة بصفات ثلاثة ، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات ، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى ، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها ، وذلك محض الكفر ، فلهذا المعنى قال تعالى {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا} فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد ، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر ، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك ، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً .)
(18) ثم يكمل الرازي قائلا ( التفسير الكبير للرازي- سورة النساء 171) : المسألة الثانية : قوله { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف ، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه الأول : ما ذكرناه ، أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة . الثاني : قال الزجاج : ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون : إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، والدليل عليه قوله تعالى : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] الثالث : قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله { سَيَقُولُونَ ثلاثة } [ الكهف : 22 ] وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله تعالى بهذه العبرة يوهم كونهما إلهين ، وبالجملة فلا نرى مذهباً في الدنيا أشد ركاكة وبعداً عن العقل من/ مذهب النصارى .
(19) قال القرطبي في تفسيره للنساء 171 : ( والنصارى مع فِرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم فيجعلون كل أُقنُوم إلهاً ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم, وربما يعبّرون عن الأقانيم بالأب والإبن ورُوح القُدُس فيعنون بالأب الوجود, وبالروح الحياة , وبالإبن المسيح, في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين ) .
(20) قال ابن تيمية في تفسيره للنساء 171 : ( فقد نهى النصارى عن الغلو في دينهم , وأن يقولوا على الله غير الحق …. وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسله . فبين أنه رسوله ( أي المسيح عليه السلام ) , ونهاهم أن يقولوا ثلاثة , وقال : انتهوا خيرًا لكم إنما الله إله واحد ) ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 2 / 251 ) .
(21) قال ابن تيمية : ( وقولهم – أي النصارى – : فالإله واحد , خالق واحد , رب واحد , هو حق في نفسه , لكن قد نقضوه بقولهم في عقيدة إيمانهم : ” نؤمن برب واحد , يسوع المسيح ابن الله الوحيد , إله حق من إله حق , من جوهر أبيه , مساو الأب في الجوهر ” . فأثبتوا هنا إلهين , ثم أثبتوا روح القدس إلهًا ثالثًا , وقالوا إنه مسجود له , فصاروا يثبتون ثلاثة آلهة , ويقولون : إنما نثبت إلهًا واحدًا , وهو تناقض ظاهر , وجمع بين النقيضين : بين الإثبات والنفي . ولهذا قال طائفة من العقلاء : إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى , وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا , بل تكلموا بجهل , وجمعوا كلامهم بين النقيضين , ولهذا قال بعضهم : لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولاً . وقال آخر : لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم لقال الرجل قولاً , وامرأته قولاً أخر , وابنه قولاً ثالثًا ) ( الجواب الصحيح 2 / 27 ) .
(22) الزخرف84
(23) في مقالته عن إنبثاق الروح القدس ص 8
(24) كتاب ألفاظ ومفاهيم للشيح ابن العثيمين ص81
(25) الحديد4
(26) محمد35
(27) المجادلة7
(28) كما يقول القديس أثناسيوس (يجب علينا ألا نتصور وجود ثلاثة جواهر منفصلة عن بعضها البعض فى الله -كما ينتج عن الطبيعة البشرية بالنسبة للبشر- لئلا نصير كالوثنيين الذين يملكون عديداً من الآلهة) نقلا عن كتيب شرح عقيدة الثالوث للأنبا بيشوي ص3
وكما جاء في قانون الإيمان الأثناسي :

“We worship one God in Trinity, and Trinity in Unity; Neither confounding the Persons; nor dividing the Essence.” (Philip Schaff, “Creeds of Christendom, with a History and Critical notes. Volume II. The History of Creeds”, Harper & Brothers. 1877. pp. 66–71)

الترجمة: نحن نعبد إله واحد في ثالوث ، وثالوث في وحدة ، بدون خلط للشخوص الإلهية ، ولا تقسيم للجوهر (الإلهي).
(29) بالايمان نفهم ان العالمين اتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر (عبرانيين 11: 3)
(30) (فانه فيه خلق الكل ما في السماوات و ما على الارض ما يرى و ما لا يرى سواء كان عروشا ام سيادات ام رياسات ام سلاطين الكل به و له قد خلق.الذي هو قبل كل شيء و فيه يقوم الكل.” (كولوسي 1: 16-17)
(31) الأب / هنري بولاد اليسوعي في كتابه ” منطق الثالوث ” ص 43
(32) ( كلمة ” أقنوم ” كلمة سيريانية ” وهى الوحيدة في كل لغات العالم التي تستطيع أن تعطي هذا المعنى : تميز مع عدم الانفصال أو الإستقلال بما أن الله لا شبيه له , وبما أن لغات البشر إنما تصف الكائنات المحدودة فلا توجد كلمة تعطينا وصفًا دقيقًا للذات الإلهية بحسب الإعلان الإلهي ) ( ما معنى المسيح ابن الله ؟ ص 2 ) .
(34) هذا يؤيده ما جاء نقلا عن المسلم في كتاب (إله واحد رب واحد روح واحد .. تفسير معاصر للإيمان الرسولي ص53) كتبه / هانز جورج لينك وترجمه بهيج يوسف يعقوب :
( و هذه الوحدة تسمو فوق كل وحدة أخرى ذات شكل حسابي أو منطقي خالص – إنها وحدة الـ( koinonia) ( الشركة ) فإن كلاً من وحدة واختلاف الأقانيم الإلهية لها نفس القيمة في كل من مظهر و كيان الـ( koinonia) , فكل أقنوم من الأقانيم الإلهية يحيا حياة الأقنومين الآخرين ، وهو لا يحيا مع الأقنومين الآخرين فقط ، بل أيضًا من أجلهما ، و الكنائس المحلية المتحدة أيضًا على نفس هذه الصورة ستعيش حياة الكنائس الأخرى ، و تعيش كل الكنائس حياة بعضها ، بينما تحتفظ كل كنيسة بمواهبها الخاصة )
(35) الأعراف180

(36) the Father is not the Son, He who is the Son is not the Father; and the Holy Spirit, the Spirit of the Father and of the Son, is neither the Father nor the Son. (Tractates on the Gospel of John (St. Augustine), Tractate 39.2)

(37) (الله روح و الذين يسجدون له فبالروح و الحق ينبغي ان يسجدوا) يوحنا 4: 24
(38) نقلا عن المسلم أن د. هاني رزق الله قال في كتابه ( ما معنى أن يسوع المسيح هو ابن الله ؟ ) ص 6 : (إن فكرة الإله الواحد المثلث الأقانيم تتمشى مع كل شيء حولنا , وإن كل شيء حولنا مركب , حتى الذرة في ذاتها عالم مستقل والإنسان نفسه كائن مركب له جسد يأكل وينام وله نفس مكونة من فكر وإرادة وعاطفة وله روحح تتصل بخالقها . إن الواقع الذي حولنا يقودنا إلى وجود إله خالق صاحب وحدانية جامعة وليست بسيطة , كما أن كل خلائقه مركبة وليست بسيطة ) .
(39) قال محمد “تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله” . رواه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن ابن عمر وحسنه الألباني في الجامع، وفي رواية عند أبي نعيم في الحلية: “تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله“. حسنه الألباني أيضاً.
وبمثله قال قال ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس: ومن ذلك أن الشيطان يأتي إلى العامي فيحمله على التفكر في ذات الله وصفاته فيتشكك، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسألون حتى تقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة: فوالله إني لجالس يوماً إذ قال رجل من أهل العراق هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني ثم صحت: صدق رسول الله، الله الواحد الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم له كفوا أحد. انتهى.
(40) كما يقول سليمان الملك والنبي في صلاته (هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالاقل هذا البيت الذي بنيت.) ملوك الأول 8: 27
(41) “لكي يطلبوا الله لعلهم يتلمسونه فيجدوه مع انه عن كل واحد منا ليس بعيدا. لاننا به نحيا ونتحرك ونوجد” (أعمال 17 : 26- 27)

(42) Shekhinah (- alternative transliterations Shekinah, Shechinah, Shekina, Shechina, Schechinah, שכינה) is the English spelling of a feminine Hebrew ******** word that means the dwelling or settling, and is used to denote the dwelling or settling presence of God, especially in the Temple in Jerusalem.
http://en.wikipedia.org/wiki/Shekinah#Where_manifest

(42) يوحنا 2: 19-21
(43) كما يعلن الوحي “اما تعلمون انكم هيكل الله و روح الله يسكن فيكم” كورونثوس الأولى 3: 16 ويعلن أيضا “.. اكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لاجل جسده الذي هو الكنيسة” كولوسي 1: 24
(44) “(يوحنا 6: 35 ،51)
(45) يفشل المسلم في فهم الفرق بين الاتحاد والتحول ، أن نتحد بالمسيح الإله ولا نتحول إلى لاهوت ، نحن في سر الافخارستيا هيكل الله المبني بحجارة حية ولكننا لسنا أقانيم أو لاهوت كما يقول الوحي اليهودي والمسيحي “فانكم انتم هيكل الله الحي كما قال الله اني ساسكن فيهم و اسير بينهم و اكون لهم الها و هم يكونون لي شعبا” (كورونثوس الثانية 6: 16)
(46) في سفر الأعمال الإصحاح الثاني : ( ولما حضر يوم الخمسين , كان الجميع بنفس واحدة , وصار بغتة من السماء صوت , كما من هبوب ريح عاصفة , وملأ كلا البيت حيث كانوا جالسين , وظهر لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار , واستقرت في كل واحد منهم , وامتلأ الجميع من الروح القدس , وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى , كما أعطاهم الروح أن ينطقوا )
(47) نقلا عن المسلم: يقول القس توفيق جيد في كتابه ” سر الأزل ” ص 11 : ( إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه , وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه ) .
ويقول الأستاذ يس منصور في كتابه ” التثليث والتوحيد ” ص 22 : ( إن من الصعب أن نحاول فهم هذا الأمر بعقولنا القاصرة ) .
ويقول الأستاذ عوض سمعان في كتابه ” الله ذاته ونوع وحدانيته ” ص 4 : ( إننا لا ننكر أن التثليث يفوق العقل والإدراك ولكنه يتوافق مع كمال الله كل التوافق ) , ويستطرد فيقول : ( لقد حاول كثيرون من رجال الفلسفة توضيح إعلانات الكتاب المقدس عن ذات الله , أو بالحري عن ثالوث وحدانيته فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً , لأنهم انحرفوا عن أقواله واعتمدوا على عقولهم وحدها ) .
يقول الدكتور / هاني رزق الله : ( إن حقيقة الله المثلث الأقانيم حقيقة لا يستطيع العقل البشري بمحدودويته أن يستوعبها أو أن يفهمها تمامًا ولكنها في نفس الوقت ليست ضد الإستيعاب أو الفهم ) ( ما معنى أن يسوع المسيح ابن الله ؟ ص 5-6)
(48) سورة الرحمن 26-27
(49) المفصل في تاريخ العرب لجواد علي (ج1 ص50)
(50) المرجع السابق (ج 1 ص331)
(51) المرجع السابق (ج1 ص161)
(52) المرجع السابق (ج1 ص 282) :وهناكأسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام، إنما وردت في كتب أخرى. وقدذكرها “ابن الكلبي” نفسه في بعض مؤلفاته. ومن هذه الأصنام: الأسحم،والأشهل، وأوال، والبجة، وبلج، والجبهة، وجريش، وجهار، والدار، وذو الرجل،والشارق، وصدا،وصمودا، والضمار.
(54) بتاح أو فتاح الإله المصري :S. Rappoport, “History of Egypt” P22
(55) سورة ص5
(56) سورة طه 5
(57) صحيح البخاري كتاب التهجد ح1145
(58) لوقا 18: 27
(59) {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }طه5 ، وتكلم الرحمن من الشجرة {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }القصص30 ، وتجلي الرحمن للجبل {… فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً … }الأعراف143
(60) (يوحنا 3: 36)
(61) متى 28 : 19

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: